تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان قوت القلوب وإحياء علوم الدين موضع رعاية الصوفية على السواء فيما سلف من الأيام. وينقلون عن أبي الحسن الشاذلي أنه قال: كتاب الإحياء يورثك العلم، وكتاب القوت يورثك النور. ولهذا القول وجه من الصواب، فإنك تجد الإسهاب والتفصيل في الإحياء، وتجد الدقة وروعة الإخلاص في القوت، ويمتاز كتاب القوت فيما نرى بحرص مؤلفه واحتياطه فيما يتعلق بمذاهب الصوفية، وبجمال لغته، بخلاف الإحياء، فإنه يغرب في التصوف، وحظ أسلوبه من الدقة قليل.

الرسالة القشيرية

هي رسالة في التصوف لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى في 16 ربيع الآخر سنة 465ه. وهي تقع في 186 صفحة. ولها شرح مخطوط بدار الكتب المصرية تأليف شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ويسمى هذا الشرح: «أحكام الدلالة في شرح الرسالة».

وقد كتب القشيري رسالته هذه: «إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة» كما قال في المقدمة فهي إذن منشور عام لإصلاح المتصوفة في ذاك الحين، وقد ابتدأها بصرخة تشبه التي نقلناها للغزالي من منهاج العابدين، فهو يقول: «اعلموا رحمكم الله أن المحقين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم، ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثرهم، كما قيل:

أما الخيام فإنها كخيامهم

وأرى نساء الحي غير نسائها

حصلت الفترة في هذه الطريقة، بل اندرست بالحقيقة ... إلخ».

وقد شرح القشيري في بداية هذه الرسالة اعتقاد طائفة الصوفية في مسائل الأصول في التوحيد، ثم ذكر تراجم اثنين وثمانين من مشايخ الصوفية بإيجاز، ثم فسر الألفاظ التي تدور بين هذه الطائفة، وبين ما يشكل فيها على المريدين، كالوقت، والمقام، والحال، والقبض، والبسط، والتواجد، والوجد، والوجود، إلى آخر ما قال.

ثم وضع عدة أبواب في المجاهدة، والخلوة، والعزلة، والمراقبة، والصبر، والشكر، والخوف، والرجاء، وما إلى ذلك مما يهم السالكين.

وتمتاز هذه الرسالة بكثرة النقل عن المتقدمين من شيوخ الطريق، وقد صدق الزبيدي فيما رآه من أن الغزالي اعتمد عليها عند تأليف الإحياء، وإن كانت النسبة بين الكتابين بعيدة من جهة المادة، ومن السهل أن يثبت الإنسان أثر هذه الرسالة في أكثر أبواب الإحياء، وما أدري لم لم يشهد الغزالي بذكر مؤلفها ومؤلف قوت القلوب، مع أن فضلهما عليه كبير!

الفصل الثالث

| من عرف الغزالي من الصوفية

ويجمل بنا أن نذكر طائفة من الصوفية الذين عرفهم الغزالي ونريد بذلك من قرأ لهم، واستشهد بكلامهم في مؤلفاته، لأن تأثيرهم غير قليل في تكييف أحكامه الأخلاقية، وطبعها بذلك الطابع الصوفي المعروف.

الإمام الشافعي

ولد رضي الله عنه بغزة، ومات بمصر سنة 204ه بعد أن أقام بها أربع سنينن. وكان سنه حين مات 54 سنة. وليس غرضنا أن نتكلم عنه من الوجهة التشريعية، فإن لذلك مجالا غير هذا المجال، غير أنه لا يفوتنا بهذه المناسبة أن نقرر أن كتاب «الأم» الذي ينسب إليه ليس له، وإنما هو من تأليف البويطي كما نص الغزالي في الإحياء.

والذي يهمنا الآن: هو أن نصور الشافعي كما تصوره الغزالي، أي من الوجهة الصوفية، فقد كان رضي الله عنه معروفا بالتقوى، ونسيان الذات، حتى ليقول: «وددت لو أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إلي منه حرف».

نماذج من كلامه

وإلى القارئ نماذج من كلماته التي جرت مجرى الأمثال. قال رضي الله عنه: «أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه ورغب في مودة من لا ينفعه، وقبل مدح من لا يعرفه. المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن، من لم تعزه التقوى فلا عز له. سياسة الناس أشد من سياسة الدواب. لو علمت أن الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته. ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته. من علامة الصادق في أخوة أخيه أن يقبل علله، ويسد خلله، ويغفر زلله. لا تشاور من ليس في بيته دقيق. لا تقصر في حق أخيك اعتمادا على مروءته، ولا تبذل وجهك إلى من يهون عليه ودك. من نم لك نم عليك. من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد عقله».

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٢٦