تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانظر قوله في منهاج العابدين:

وإن اللمعة التي تظهر منا الآن ليست إلا ممن بقي على منهاج أسلافنا وشيوخنا المتقدمين كالحارث المحاسبي، ومحمد بن إدريس الشافعي، والمزني، وحرملة، وغيرهم من أئمة الدين، رحمهم الله أجمعين. فهم كما قال القائل:

وما صحبوا الأيام إلا تعففا

وما وجدوا من حب سيدهم بدا

أفاضل صديقون أهل ولاية

إلى سيد السادات قد جعلوا القصدا

تحلل عقد الصبر من كل صابر

وما حلت الأيام من عقدهم عقدا

وكنا في الصدر الأول ملوكا فصرنا سوقة، وكنا فرسانا فصرنا رجالا، وليتنا لا ننقطع عن الطريق. والله المستعان على المصائب، وهو المسؤول أن لا يسلبنا هذا الرمق، إنه جواد كريم، منان رحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ص96 و97.

فهل رأيت تحرقا أمر من هذا وألذع؟

أصل التصوف

وهذا التصوف الذي يترسم الغزالي آثار أصحابه ليس في جملته مما تدعو إليه الشريعة الإسلامية، وإنما هو مزيج من عدة مذاهب هندية وفارسية ويونانية، نقلت إلى المسلمين، وصادفت هوى في نفوس الزاهدين منهم، فوسموها اسم الدين، ووضعوا لها على حسابه القواعد والأصول.

ويمكن الحكم بأن ما في التصوف من الدعوة إلى طهارة الباطن، وحب الخير، وبغض الشر، وما إلى ذلك مما يتعلق بخلوص النفس البشرية من خبيث الصفات، يرجع في جوهره إلى روح الإسلام، أما ما يختص بقطع العلائق مع الناس، والتزهيد في الحياة، فهو بعيد عن روح الدين، لأن الإسلام دين فتح وسيطرة، وهو يعد معتنقيه لأن يكونوا سادة، بخلاف التصوف فإنه يلبس أصحابه أرواح العبيد.

أنفاس الصوفية

وإنك لترى الغزالي يحاكي الصوفية في أنفاسهم وخطرات قلوبهم ويسايرهم خطوة خطوة في ذم الناس، وشكوى الزمان ، وأظهر ما يكون هذا في ذم الأتقياء المزيفين، وسترى أنه في كتبه الأخلاقية قد أشرب حب من يسميهم علماء الآخرة، حتى ليصف حاله بهذه الأبيات:

ظفر الطالبون واتصل الوص

ل وفاز الأحباب بالأحباب

وبقينا مذبذبين حيارى

بين الوصال والاجتناب

نرتجي القرب بالبعاد وهذا

نفس حال المحال للألباب

فاسقنا منك شربة تذهب الغم

وتهدي إلى طريق الصواب

يا طبيب السقام يا مرهم الجر

ح ويا منقذي من الأوصاب

لست أدري بما أداوي سقامي

وبماذا أفوز يوم الحساب

ومن هنا نراه ينقل كلمات تحتاج إلى قيد من الشريعة، ويسكت عنها لا يقيدها بشيء. وأكثر ما أنكره عليه معاصروه لم يأته إلا من جهة استسلامه للخطرات الوجدانية، التي علقت بنفسه من قراءة كتب التصوف، حين اعتزل الناس في دمشق وبغداد.

على أن النقاد لم يتركوا له هذا الأديم صحيحا، بل رموه بجهل التصوف، وسلوكه منه في بيداء يضل فيها النسيم، حتى اضطر الزبيدي وغيره إلى أن يثبتوا أنه لم يزد على أن حاكى ما في قوت القلوب والرسالة القشيرية من مختلف الآراء في طرائق السلوك.

قوت القلوب

وأهم الكتب التي تأثر بها الغزالي من بين كتب الصوفية كتاب «قوت القلوب، في معاملة المحبوب» تأليف أبي طالب المكي المتوفى سنة ست وثمانين وثلاثمائة ببغداد ولا يوجد الآن في الأسواق، ومنه نسخة مطبوعة بدار الكتب المصرية نمرة 26772 وهو في مجلدين، يقع الأول منهما في 270 صفحة والثاني في 297.

ويعد هذا الكتاب بحق مصدرا لكتاب الإحياء، ويكفي أن تقرأ باب التوكل مثلا في الكتابين لتعرف أنهما يسيران في طريق واحد، إلى غاية واحدة، حتى لتجدهما يتفقان غالبا في الشواهد من الآيات والأحاديث والأخبار. ويمكن الجزم بأن الغزالي أودع كتاب الإحياء كل ما صح لديه، وحسن عنده، من كتاب قوت القلوب، وإن لم يشر إلى ذلك، وربما ستر هذا بتغيير العناوين. فإذا قال أبو طالب المكي: (ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت) قال هو: (بيان آداب المتوكلين إذا سرق متاعهم). وربما وضع عنوانا لمسألة لم تعنون في قوت القلوب، وقد يضع صاحب القوت مسألة تحت عنوان، فيأتي الغزالي ويدمجها في كلامه، فيخيل إلى القارئ أنها له، ولولا خشية الإطالة لضربنا لذلك الأمثال.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٢٥