2
وأروقة، وخزائن وحجر للخلوة، وسألت عن أمره فوجدت أهل البلد مجمعين على أنه من بناء بعض التابعة، وأنه كان قصد بلاد الصين من اليمن، فلما صار إلى هذا المكان رأى أن يخلف حرمه وكنوزه وذخائره في مكان يسكن إليه، ويسير متخففا، فبنى هذا القصر وأجرى له نهرا عظيما آثاره بينة، وأودعه كنوزه وذخائره وحرمه، ومضى إلى الصين فبلغ ما أراد، وانصرف فحمل بعض ما كان جعله في القصر، وبقيت له فيه بعض أموال وذخائر تخفى أمكنتها. وصفات مواضعها مكتوبة معه. فلم يزل على هذه الحال تجتاز به القوافل، وتنزل السابلة، ولا يعلمون منه شيئا، حتى استبان ذلك واستخرجه أسعد بن أبي يعفر صاحب كحلان
3
لأن الصفة وقعت له.
وقد خرج من طوس عدد كبير من أئمة العلم أشهرهم أبو حامد الغزالي، وخرج منها الوزير «نظام الملك». قال ياقوت: وأهل خراسان يسمون أهل طوس البقر، ولا أدري لم ذلك؟
وقال رجل يهجو نظام الملك:
لقد خرب الطوسي بلدة غزنة
فصب عليه الله مقلوب بلدته
هو الثور قرن الثور في حر أمه
ومقلوب اسم الثور في جوف لحيته
4
وقال دعبل الخزاعي من قصيدة يمدح بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويذكر قبري علي بن موسى والرشيد بطوس:
أربع بطوس على قبر الزكي به
إن كنت تربع من دين على وطر
قبران في طوس: خير الناس كلهم
وقبر شرهم: هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا
على الزكي بقرب الرجس من ضرر
هيهات كل امرئ رهن بما كسبت
يداه حقا. فخذ ما شئت أو فذر
وطوس هذه هي موطن الغزالي ومولده، وبها قبره، إلا إن صح ما رواه بعضهم من أنه ولد بقرية تسمى غزالة بالقرب من طوس. وأنا لا أستبعد ذلك، ما دام ياقوت يحدثنا أنه كان لطوس أكثر من ألف قرية. وإذن يكون الغزالي بفتح الزاي لا بتشديدها، على أن في طبقات السبكي ص9 ج4 رجلا آخر يلقب بالغزالي، ولا ضرورة لأن يكون هذا اسما لعائلة قديمة كما ظن الدكتور زويمر، بل يمكن أن يكون كلاهما نسب لتلك القرية الصغيرة: غزالة.
نيسابور
قال ياقوت: هي مدينة عظيمة. ذات فضائل جسيمة. معدن الفضلاء ومنبع العلاء. لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها. ثم قال: ومن الري إلى نيسابور مئة وستون فرسخا. ومنها إلى سرخس أربعون فرسخا، ومن سرخس إلى مرو الشاهجان
5
ثلاثون فرسخا. ثم قال: وأكثر شرب أهل نيسابور من قنى تجري تحت الأرض، ينزل إليها في سراديب مهيأة لذلك، فيوجد الماء تحت الأرض، وليس بصادق الحلاوة، ثم قال: وعهدي بها كثيرة الفواكه والخيرات وبها ريباس ليس في الدنيا مثله، تكون الواحدة منه مئا وأكثر، وقد وزنوا واحدة فكانت خمسة أرطال بالعراق، وهي بيضاء صادقة البياض كأنها الطلع، ثم قال: وكان المسلمون فتحوها في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه والأمير عبد الله بن كريز في سنة 31 صلحا. وبنى بها جامعا، وقيل إنها فتحت في أيام عمر رضي الله عنه على يد الأحنف بن قيس، وإنما انتقضت في أيام عثمان فأرسل إليها عبد الله بن عامر ففتحها ثانية.
وقد خرج من نيسابور عدد كبير من أئمة العلم أشهرهم الحافظ الإمام أبو علي الحسين علي النيسابوري، الذي رحل في طلب العلم والحديث. وعقد له مجلس الإملاء بنيسابور سنة 337 وهو ابن ستين سنة وقد توفي سنة 349.
وقد أكثر الشعراء من ذم نيسابور. فمن ذلك قول أبي الحسن الإستراباذي:
لا قدس الله نيسابور من بلد
سوق النفاق بمغناها على ساق
يموت فيها الفتى جوعا وبرهم
والفضل ما شئت من خير وأرزاق
والخبر في معدن الغرثي وإن برقت
أنواره في المعاني غير براق
وقال المرادي يذم أهلها:
لا تنزلن بنيسابور مغتربا
إلا وحبلك موصول بسلطان
أولا فلا أدب يجدي، ولا حسب
يغني، ولا حرمة ترعى لإنسان
وقال معن بن زائدة الشيباني يشكو ليله بنيسابور:
تمطى بنيسابور ليلي وربما
يرى بجنوب الري وهو قصير