تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي يعنيني من هذه الحكاية هو أن يكون «السائد في عقيدة أهل ذلك الزمان أن من قرأ العلوم العربية على الإمام الموفق نبغ فيها وبلغ الغاية وانساق إليه العز والجاه» وتلك خرافة لا يسيغها غير ضعاف العقول، وصغار الأحلام، وقد رأيت كيف كان الناس يتداولون «هذه العقيدة» وكيف كان الطلبة يتغنون بها في حلقات الدروس.

وقد رأينا في الفصل السالف كيف من «نظام الملك» على ملكشاه بأن أقام له جيش الليل من العلماء والفقراء، مع أنه لا يصح الدفاع عن العلم بإظهار الحاجة إلى دعوات أهله ودموعهم، فبئس السلاح سلاح الدمع والدعاء. وإنما تحرس الأمم بالعلم في إقامة ما اعوج من الأخلاق وإيقاظ ما خمد من النفوس، وإحياء ما اندرس من آثار العقول.

ومن الشواهد على سذاجة ذلك العصر التحدث بالمنامات والأحلام وهي شارة الارتياب في الواقع، والإيمان بالخيال.

2

أما ما كان في ذلك العصر من مكر الأمراء والعلماء، فدلائله كثيرة مبعثرة في الكتب هنا وهناك، ومؤلفات الغزالي شهيدة على ذلك، فكثيرا ما نراه يشن الغارة على العلماء الذين يكثرون الجدل، يتظاهرون بالغيرة على العلم والدين، وهم في الواقع طلاب جاه، وطلاب مال!

ويمكن الجزم بأن الغزالي يمثل عصره أصدق تمثيل وهو يتحدث عن الأتقياء المزيفين من المتصوفة الذين يخدعون الناس باسم التقى، وهم في أنفسهم أنصار غي وضلال، وإنما قلنا إنه يمثل عصره، لأنه يتكلم في هذه الشئون بحماسة عظيمة، ليست صدى لمطالعاته في المؤلفات القديمة، وإنما هي أثر لغضبته من قوم عاش بينهم، ولقي من مكرهم وريائهم أنواع الشقاء. وقد سبقه المعري بنقد المتصوفة، ولكن المعري كان غير مسموع الكلمة في نقدهم، أما الغزالي فكانت كلمته في ذمهم شديدة الأثر، لأنه صوفي، ولأن تلامذته كانوا عونا له على نشر ما يريد.

وإليك إنموذجا من كلامه عن أصناف المغرورين: «وفرقة منهم عدلوا عن المنهاج الواجب في الوعظ، وهم وعاظ الزمان كافة، إلا من عصمه الله على الندور في بعض أطراف البلاد إن كان ولسنا نعرفه، فاشتغلوا بالطامات والشطح وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعقل طلبا للإغراب، وطائفة شغلوا بعبارات النكت وتسجيع الألفاظ وتلفيقها، فأكثر همهم الأسجاع والاستشهاد بأشعار الوصال والفراق، وغرضهم أن تكثر في مجالسهم الزعقات والتواجد، ولو على أغراض فاسدة، فهؤلاء شياطين الإنس ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.» ص405 ج3 إحياء.

على أن الغزالي كان بنفسه أداة من أدوات الصوفية، وسترى كيف كان ذلك في غير هذا الباب.

أما مكر الأمراء والملوك فقد كاد ينحصر في ختل العامة وجرهم إلى الحروب باسم الدين، فمن المتعسر أن تجد أمة إسلامية حاربت أختها باسم الملك في دعوة صريحة، بل كانت كل أمة تختص نفسها بالهداية، وترمي غيرها بالمروق، وكانت الجماهير وقودا لنار تلك الفتن في مصر والشام والعراق وخراسان، وغيرها من ممالك المسلمين. ولعن الله الساسة أصحاب الأغراض.

الفصل السادس

| البلدان التي عرفها الغزالي

نريد أن نذكر في هذا الفصل بعض البلدان التي عرفها الغزالي، لصلة ذلك بحياته، ونستثني بغداد، لأنها أشهر من أن تحتاج إلى تعريف، وقد خصها الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين بكلمة ممتعة في كتابه ذكرى أبي العلاء، فليرجع إليه من أراد.

ونعتمد في وصف تلك البلدان على معجم ياقوت

1

لقرب مؤلفه من ذلك العصر، ولأنه يتصور تلك المواطن على نحو ما كان يعرفها الناس إذ ذاك.

طوس

مدينة بخراسان، تشتمل على بلدتين يقال لإحداهما الطابران (وهي التي دفن بها الغزالي) وللأخرى توفان، ولهما أكثر من ألف قرية، فتحت في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبها قبر علي بن موسى الرضا وبها أيضا قبر هارون الرشيد. وقال مسعر بن المهلهل: وطوس أربع مدن، منها اثنتان كبيرتان واثنتنان صغيرتان، وبها آثار أبنية إسلامية جليلة، وبها دار حميد بن قحطبة، ومساحتها ميل في مثله، وفي بعض بساتينها قبر علي بن موسى الرضا وقبر الرشيد، وبينهما وبين نيسابور قصر هائل محكم البنيان، لم أر مثله علو جدران، وإحكام بنيان، وفي داخله مقاصير تحار في حسنها الأوهام، وأزجاج

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ١٠