تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليالي إذ كل الأحبة حاضر

وما كحضور من تحب سرور

فاصبحت أما من أحب فنازح

وأما الألى أقليهم فحضور

أراعي نجوم الليل حتى كأنني

بأيدي عداة سائرين أسير

لعل الذي لا يجمع الشمل غيره

يدير رحى جمع الهوى فتدور

فتسكن أشجان ونلقى أحبة

ويورق غصن للشباب نضير

وفي نيسابور تلقى الغزالي عن إمام الحرمين الفقه والمنطق والأصول حتى برع أنداده، وزملاءه. وتولى في أخريات أيامه التدريس بالمدرسة النظامية في نيسابور مدة يسيرة، رجع بعدها إلى طوس، حيث اتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء وخانقاه للصوفية.

جرجان

مدينة مشهورة بين طبرستان وخراسان، فبعض يعدها من هذه وبعض يعدها من تلك، قيل إن أول من أحدث بناءها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وقد خرج منها عدد من الأدباء والعلماء والمحدثين. ولها تاريخ ألفه حمزة بن يزيد السهمي. قال الأصطخري: أما جرجان فإنها أكبر مدينة بنواحيها، وهي أقل ندى ومطرا من طبرستان، وأهلها أحسن وقارا وأكثر مروءة ويسارا من كبرائهم، وهي قطعتان إحداهما المدينة والأخرى بكراباذ. وبينهما نهر كبير. ولجرجان مياه كثيرة، وضياع عريضة، وليس بالمشرق بعد أن تجاوز العراق مدينة أجمع ولا أظهر حسنا من جرجان. قال ياقوت: وبها الزيتون والنخيل والجوز والرمان وقصب السكر والأترج وبها إبريسم جيد لا يستحيل صبغه، وبها أحجار كبيرة لها خواص عجيبة، وبها ثعابين تهول الناظر، ولكن لا ضرر لها.

وقد فتحت في سنة 18ه على يد سويد بن مقر، وخرج منها عدد عظيم من العلماء، كانت تشد إليهم الرحال.

وكان بها صنف جيد من الخمر، وفيها يقول ابن خريم:

وصهباء جرجانية لم يطف بها

حنيف ولم يلمم بها ساعة غر

ولم يشهد القس المهيمن نارها

طروقا ولم يحضر على طبخها حبر

أتاني بها يحيى وقد نمت نومة

وقد لاحت الشعرى وقد طلع النسر

فقلت اصطبحها أو لغيري فاهدها

فما أنا بعد الشيب ويحك والخمر

تعففت عنها في العصور التي مضت

فكيف التصابي بعد ما كمل العمر

إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن

له دون ما يأتي حياء ولا ستر

فدعه ولا تنفس عليه الذي أتى

وإن جر أسباب الحياة له الدهر

ويذكر ياقوت أن أهل الكوفة كانوا يقولون: من لم يرو هذه الأبيات فهو ناقص المروءة ... وذكر أن مسلم بن الوليد صريع الغواني مرض مرض الموت بجرجان، وأنه رأى نخلة لم يكن في جرجان غيرها فقال:

ألا يا نخلة بالسف

ح من أكناف جرجان

ألا إني وإياك

بجرجان غريبان

وإلى جرجان رحل الغزالي ليتلقى العلم عن أبي نصر الإسماعيلي وعلق عنه التعليقة التي حدثتك عما فعل بها العيارون وهو راجع إلى طوس.

دمشق

لو أنك رجعت إلى ياقوت، وقرأت في معجمه أخبار هذه المدينة لرأيت كيف يضل العرب في بيداء الخيال، ولعرفت أن لهم حظا من أساطير الأولين. وهذا الضلال في ذكر من بنى مدينة دمشق يصور لنا منزلتها المقدسة، التي احتلت قبلا رءوس المسلمين: فهم تارة يذكرون أن بانيها هو دماشق بن فاني بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام، وتارة أخرى يقولون إنها بنيت على رأس ثلاثة آلاف ومئة وخمس وأربعين سنة من جملة الدهر الذي يقولون إنه سبعة آلاف سنة، وحينا يزعمون أن إبراهيم عليه السلام ولد بعد بنائها بخمس سنين وحينا آخر يتوهمون أن العازر غلام إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى دمشق.

وأغرب من ذلك كله قول ياقوت: وقال أهل الثقة من أهل السير أن آدم عليه السلام كان ينزل في موضع يعرف الآن ببيت أنات، وحواء في بيت لهيا، وهابيل في مقري وكان صاحب غنم، وقابيل في قنينة وكان صاحب زرع، وهذه المواضع حول دمشق.

ووجه الغرابة فيه إخلاده إلى من يسميهم «أهل الثقة» وأين وصل أهل الثقة إلى أخبار آدم ونوح، يا أيها المؤرخ الخطير؟!

وأحب أن أنبه القارئ إلى قيمة الإغراق والغلو في وصف البلاد فإنه نعم الباعث على الرحلة والسياحة، وإن دل على سذاجة الواصفين، وأربعة أخماس الناس يشتاقون إلى رؤية دمشق حين يقرءون أنها كانت مأوى الأنبياء ومصلاهم، وإنه كان بها مسجد إبراهيم وقبر موسى عليهما السلام، وإنه لم توصف الجنة بشيء إلا وفيها مثله!

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ١٢