وقد دافع كارليل عن الإسلام خير دفاع، فناقش من رموه بالقسوة، واستعمال السيف، وبين أن المسيحية نفسها لجأت إلى القوة حين لم ينفع التسامح. ورد على من زعموا أن القرآن مملوء بالتعقيد، وبين أن سبب هذه التهمة هو عجز الترجمة عن نقل بلاغة القرآن وحلاوته. وعارض من نسبوا إلى رسول الله الهفوات، وأكد أن طلب العصمة طلب سخيف، فإن العصمة لله وحده، وأكبر الهفوات عنده أن يحسب المرء أنه بريء من هذه الهفوات.
الكفر والإيمان
يتفق الغزالي وكارليل في أن كلا منهما مؤمن ثابت اليقين، ويختلفان في فهم السريرة الإنسانية، وفي نتيجة التفكير. فالغزالي لا يعترف للضمير بالصلاحية للحكم، وإنما الشرع هو الفيصل في الحسن والقبح، فما حسنه الشرع فهو حسن، وما قبحه فهو قبيح. ولكن كارليل يرى أن الشعور بالواجب معنى أبدي، وهو جزء من الطبيعة الإنسانية، فهو قوة غريزية لا تحتاج في كسبها إلى شرائع ولا قوانين.
ونتيجة التفكير محترمة عند كارليل، وهو لا يصدق بأن الإلحاد والتفكير يجتمعان في قلب رجل واحد. والإخلاص عنده هو الأساس. ومن كلامه: «يرجى لنا أن نفهم الوثنية متى سلمنا أولا أنها كانت في حين من الأحيان دينا صحيحا في اعتقاد أهلها. فلنوقن كل اليقين أن الناس كانوا يؤمنون بوثنيتهم حق الإيمان ولم يكن بهم من ذهول ولا جنون ولا نوم ولا مرض، بل كانوا مع ذلك أصحاء العقول والحواس، أيقاظا قد صورهم الله على صورنا، وخلقهم كخلقنا، لا فرق بيننا وبينهم في حال من الأحوال. ولنوقن كذلك أنا لو كنا وجدنا معهم لآمنا بما كانوا يؤمنون به، ولكنا وإياهم سواسية في سائر الأشياء».
ويتلخص رأي كارليل في أن كل دين فيه عنصر من الحق، والوثنية عنده ليست إلا رموزا شعرية، وتمثيلا بالمرئيات لما جرى في وجدان الناس وأذهانهم عن الكون ومظاهره، وكل دين فيما يرى إنما هو رمز وتمثيل، ولكن الاختلاف هو في المشاعر والأفكار. والفرق بيننا وبين الوثنيين يرجع إلى الشكل أكثر مما يرجع إلى الجوهر، لأن كلا منا يرى التفكير في ملكوت الله نوعا من العبادة، ونحن لو أغرمنا بالكون كما أغرم الوثنيون به لرأينا الله في كل نجم، بل في كل زهرة.
رأي الغزالي في الاجتهاد
لا يمكن لامرئ أن يكفر، في نظر كارليل، ما دام مخلصا في عقيدته، مهما كانت تلك العقيدة. ولكن الغزالي يرى أن الاجتهاد له حد محدود والمختار عنده أن الإثم والخطأ متلازمان فكل مخطئ آثم وكل آثم مخطئ، ومن انتفى عنه الإثم انتفى عنه الخطأ، وهو يقسم النظريات إلى ظنية وقطعية، ولا إثم في الظنيات إذ لا خطأ فيها. والقطعيات عنده ثلاث أقسام: كلامية، وأصولية، وفقهية. ويعني بالكلامية العقليات المحضة، والحق فيها عنده واحد. ومن أخطأ الحق فيها فهو آثم. ويدخل في هذا القسم حدوث العالم، وإثبات المحدث، وصفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة، وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات، وجواز الرؤية، وخلق الأعمال، وإرادة الكائنات، وجميع ما الكلام فيه مع المعتزلة والخوارج والروافض والمبتدعة. فهذه المسائل الحق فيها عنده واحد، ومن أخطأه فهو آثم فإن أخطأ فيما يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فهو كافر. وإن أخطأ فيما لا يمنعه من معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله، كما في مسألة الرؤية وخلق الأعمال وإرادة الكائنات، فهو آثم من حيث عدل عن الحق وضل، ومخطئ من حيث أخطأ الحق المتيقن، ومبتدع من حيث قال قولا مخالفا للمشهور بين السلف، ولا يلزمه الكفر. ويعني بالأصولية كون الإجماع حجة، وكون القياس حجة، وكون خبر الواحد حجة ... إلخ. وهذه المسائل أدلتها عنده قطعية، والمخالف فيها مخطئ آثم. والفقهيات بعضها يكفر المرء بإنكاره، وبعضها يأثم بجحوده، فإنكار تحريم الخمر والسرقة ووجوب الصلاة والصوم كفر. وإنكار الفقهيات المعلومة بالإجماع خطأ وإثم.