إلى هنا لا يرى القارئ أي تناسب بين هوبس وبين الغزالي والواقع أن الجمع بينهما بعيد لأن الغزالي رجل تضحية وإيثار، والخير عنده يرجع في الأكثر إلى نفع الناس، في حين أن هوبس يرى الخير في أن يعمل المرء لنفسه، قبل أن يحلم بسواه. ولكني رأيت بعد البحث أنهما يتفقان في تكييف وجهة الطبيعة الإنسانية، وإن اختلفا في غاية الأخلاق، فإذا كان هوبس يرى أعمال المرء مظهرا للأثرة، ويرى حب المرء لجاره ليس إلا ضربا من حب النفس، وأن طاعته للقوانين الأخلاقية ليست إلا سعيا في سبيل نفعه، فكذلك الغزالي يتهم أكثر العاملين بالرياء، ويرميهم بحب الذات.
والغزالي يسيء الظن بالطبيعة الإنسانية، ويرى العمل في الأغلب لا يراد به إلا نيل الثواب، أو الفرار من العقاب، ولا يزال بالطبيعة الإنسانية يفحصها ويسبر أغوارها بمسبر الشك والارتياب، حتى يصل بعد الفحص إلى أن هناك رياء «هو أخفى من دبيب النمل» ومن كلامه: «رب عبد يخلص في عمله، ولا يعتقد الرياء بل يكرهه ويرده، ولكن إذا أطلع عليه الناس سره وذلك وارتاح له، وهذا السرور يدل على رياء خفي، فلولا التفات القلب إلى الناس ما ظهر سروره عند إطلاع الناس».
والفرق بين الغزالي وهوبس، يرجع إلى أن هوبس يريد أن يجعل وجهة الطبيعة الإنسانية أساسا للأخلاق، فيكون الخير ما ينفع المرء، والشر ما يضره. ولكن الغزالي يرى أن الخير لا يكون إلا حيث ينتفع المرء ولا يضر غيره، لأن وجهة الغزالي وجهة إسلامية، لا ضرر فيها ولا ضرار. (4) الغزالي وبوتلير
Butler «بوتلير» هو فيلسوف إنجليزي ولد سنة 1692 وتوفي سنة 1752 وهو يعول أكثر من الغزالي على الفطرة الإنسانية، وعنده أن المرء يستطيع بنفسه أن يدرك ما في عمله من الخطأ والصواب قبل أن يقدم عليه، وإن لم يعلم شيئا من المباحث الأخلاقية. ويرى أنه لا شيء يدعونا إلى طاعة قانون الأخلاق غير اعتماده على السريرة، ولا يرى بوتلير فرقا بين السريرة التي تحتم طاعة الأخلاق وبين حب النفس ما دمنا نفهم سعادتنا الحقيقية، فإن الواجب والمنفعة لا يختلفان عنده، وهنا يتفق مع الغزالي بعض الاتفاق، لأن وجهة نظر الغزالي إسلامية، والإسلام يرى المنفعة في الواجب وإن كان لا يرى الواجب في المنفعة، فإن هذا شيء قد يكون وقد لا يكون. إلا إن أردنا ما هو نافع في الواقع. على أن بوتلير يقيد اتفاق المنفعة مع الواجب بالأمور الأخروية، ويرى اتفاقهما في الأمور الدنيوية كثير الوقوع، لا واجب الوجود.
وأجمل ما في بوتلير حكمه على الفضائل بأنها قانون الطبيعة في حين أن الغزالي يراها ضروبا من التكاليف. (5) الغزالي وكارليل
Karlyle
ولد كارليل سنة 1795 في قرية اكفلكان بجنوب اسكوتلاندة من والد يشتغل بصناعة البناء. تلقى مبادئ العلم في قريته. ثم دخل جامعة ادنبرج في الثالثة عشرة من عمره. وفي التاسعة عشرة من عمره صار مدرسا للرياضة بمدرسة أنان، وبعد ثلاث سنين صار رئيس مدرسة ببلدة كركالدي. وفي سنة 1818 ترك مهنة التعليم. وذهب إلى ادنبرج، وهو لا يدري ماذا يعمل، ولكنه درس علم المعادن، واضطر من أجله إلى تعلم الألمانية التي كانت سببا لذيوع شهرته. وتوفي سنة 1881.
وكارليل هذا من كبار الفلاسفة، ومن أعظم المدافعين عن الديانات. حتى لنجده يدافع عن الوثنية، لأنها في رأيه ليست إلا إفراطا في العجب من الشيء، حتى ينقلب هذا العجب تقديسا وعبادة، ولأنه يرى أن الأقدمين ما قدسوا شيئا إلا لأنه إله، أو رمزا إلى إله. ومن آثار كارليل كتاب الأبطال الذي ترجمه الأستاذ محمد السباعي. وفي هذا الكتاب فصل ممتع عن النبي محمد صلوات الله عليه وسلامه. كان سببا في تغيير وجهة أنظار الأجانب نحو الإسلام. ومن كلامه في ذلك:
لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مهذب من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب ، وأن محمدا خداع مزور. وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة. فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنا لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا. أفكان يظن أحدكم أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائتة الحصر أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة، كان الأولى بها أن لا تخلق. فوا أسفاه، ما أسوأ مثل هذا الزعم. وما أضعف أهله، وأحقهم بالرثاء والمرحمة!؟