تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحرير هذه المسألة

الأصل في الحكم الأخلاقي أن يتبع غرض العامل من عمله: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فالعمل الذي أريد به الخير هو خير، وإن كان ضارا في ذاته. والعمل الذي أريد به الشر هو شر، وإن كان نافعا في ذاته. ويطالب الرجل فقط بأن يتروى قبل أن يعمل، ليعرف ما في العمل من ضر ونفع، وخطأ وصواب. ومتى أفرغ الجهد في البحث فقد أمن المسئولية، واستحق حسن الجزاء.

ولقد تتبعت ما كتبه علماء المسلمين في هذه المسألة فرأيتهم لا يكادون يهتدون. وسبب ضلالهم يرجع إلى أنهم خلطوا بين الوجهة الأخلاقية، والوجهة القضائية، وكان يجب عليهم أن يفصلوا بين الوجهتين. فالذي يقتل مسلما خطأ مدين من الوجهة القضائية ولكنه بريء من الوجهة الأخلاقية، لأنه لم يقصد القتل. والشرع محق في اعتماده على الوجهة القضائية، لأن فيها استئصالا للجرائم، ولأن القاضي متى عذر كل من ادعى الخطأ فقد يفلت منه كثير من المجرمين.

والذي يدلك على أن وجهة الشرع وجهة قضائية صرفة، أنه يكتفي بإيمان المقلد. مع أن الإيمان لا ينفع فيه التقليد. ويقول الباجوري في ص32 من حاشيته على الجوهرة ما نصه: «والخلاف في إيمان المقلد إنما هو بالنظر لأحكام الآخرة وفيما عند الله، وأما بالنظر إلى أحكام الدنيا فيكفي فيها الإقرار فقط. فمن أقر جرت عليه الأحكام الإسلامية، ولم يحكم عليه بالكفر، إلا إن اقترن بشيء يقتضي الكفر كالسجود لصنم.» وهذا واضح الدلالة على أن النجاة لا تكون باتباع الشرع. ولكن بالإيمان به. والإيمان شيء آخر غير ظواهر الأعمال.

الخطأ والعناد

كان على الغزالي أن يفرق بين من يخطئ في العقليات بعد اجتهاده، وبين من يعاند. فإن الأقرب إلى الحق أن ينجو من نظر في الشريعة الإسلامية من الفلاسفة بنية حسنة وبقصد الاقتناع، ولكنه بعد البحث لم يقتنع، ولم يقف مع هذا في وجه المسلمين. ولو أن الغزالي نظر هذه النظرة لما كفر ابن سينا والفارابي، إلا إن أمكن أن يثبت عندهما العناد مع أنهما لم ينكرا الرسالة المحمدية، ولكن الناس لعهد الغزالي كانوا فيما يظهر مصابين بداء الشك في عقائد الفلاسفة، ورميهم بالمروق.

وقد جرت بيني وبين فضيلة الأستاذ الشيخ الدجوي مناقشة في هذه المسألة منذ ثلاث سنين، فكان فضيلة الأستاذ يرى أن الكفر يكفي فيه الجهل، وكنت أرى أنه لا يتحقق إلا بالعناد، ثم رأيت فيما بعد أن الجاحظ يرى هذا الرأي. وقد نقل الغزالي في المستصفى «أنه ذهب إلى أن مخالف ملة الإسلام، من اليهود، والنصارى، والدهرية، إن كان معاندا على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور. وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق، ولزموا عقائدهم خوفا من الله تعالى إذ استد عليهم طريق المعرفة.» وينسب ابن الحاجب إلى الجاحظ أنه قال: «لا إثم على المجتهد مع أنه مخطئ، وتجري عليه أحكام الكفار، بخلاف المعاند فإنه آثم.» وهذا يدل على أن الجاحظ مع حكمه بنفي الإثم عن المجتهد المخطئ يرى معاملته كما يعامل الكفار، وهذه بعينها الوجهة القضائية التي حدثتك عنها منذ قليل.

ويظهر أنه كان لهذا الرأي أنصار فيما سلف، فقد جاء في فصول البدائع ص424 ج2 ما نصه: «وما نقل عن بعض السلف من تصويب كل مجتهد في المسائل الكلامية كخلق القرآن، ونفي الرؤية، وخلق الأفعال، فمعناه نفي الإثم والمعذورية، لا حقية القول والمأجورية.» وجاء في إرشاد الفحول ص241 ما نصه: «مسألة الرؤية، وخلق القرآن، وخروج الموحدين من النار، وما يشابه ذلك: الحق فيها واحد، فمن أصابه فقد أصاب، ومن أخطأه فقد يكفر. ومن القائلين بذلك الشافعي فمن أصحابه من حمله على ظاهره. ومنهم من حمله على كفران النعم».

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ١١٠