واشتهر بسكال بكتابه «الأفكار»
Pensées
وهو مجموعة آراء جمعت وطبعت بعد وفاته، وكتابه
Lettres provincials
يمثل رأيه في حياة القسيسين والرهبان.
ووجه الشبه بين الغزالي وبسكال هو أن كلا منهما ابتدأ حياته بقوة قهارة، ثم انتهت به صحته إلى الرضا بالخمول في ظلال التنسك والزهد، فقد رأيت كيف أقبل الغزالي على كل علم، وكيف درس كل النحل، وعرف بواطن جميع الفرق، ثم رأيت كيف رضي بوساوس الصوفية، وعد كل ما سوى مذهبهم ضلالا في ضلال!!
وكذلك ابتدأ باسكال بتأييد مذهب ديكارت، والتحمس لنصرة العقل، ومحاربة الوساوس القديمة. حتى لنجده يدافع عن الشهوات الكبيرة التي توجد الأعمال العظيمة، كالحب والطمع، وذلك في رسالته
Discours sur les passions de ľamour
ولكن صحة باسكال أخذت تسوء يوما بعد يوم واضطر إلى العزلة في
Port-Royal
واختار الفلسفة الصوفية التي لخصها في محادثته مع مسيو دي سامي كما قال بول جانيه، ثم عول أخيرا على الاكتفاء بالإنجيل.
ومما يقرب بسكال من الغزالي شكه في قوة الطبيعة الإنسانية، فهو يرى أن الإنسان مملوء بالخطأ الغريزي الذي لا يزول إلا بعناية الله. وليس هناك شيء يهدي الإنسان إلى الحقيقة، بل كل شيء يخدعه. ومع أن العقل والحواس أصلان للحقائق فإن كلا منهما يخدم صاحبه، والناس يدعو بعضهم بعضا إلى الخداع:
Pascal
لون المدح لعلمهم فيما بينهم بكراهة الحقيقة التي تنافي المديح، وكذلك لا يتكلم امرؤ في حضرتك كما يتكلم في مغيبك، فالإنسان في نظر بسكال مجموعة من الكذب والزور والنفاق.
وقد بالغ بسكال في احتقار العقل. ثم تمنى لو أنه عرف جميع الأشياء بالوحي والشعور ولم يحتج أبدا إلى العقل!! ويتهم بسكال عقله بإغرائه بالشك. ويعتقد أن الدين لا يأتي مطلقا من ناحية العقل، وإنما يأتي من شعور القلب، ومن هداية الله، ويجوز أن يأتي الدين من طريق العقل، ولكن مثل هذا الدين لا ينفع للنجاة! وهذا بالطبع إسراف. (3) الغزالي وهوبس
Hobbes
ولد هوبس في إنجلترا سنة 1588 ورحل إلى باريس في سن الأربعين حيث درس الرياضيات وعلوم الطبيعة. ثم زار فرنسا مرة ثانية وأقام فيها مدة طويلة، واتصل صلة متينة بالفيلسوف «جسندي» صاحب الفضل على «موليير» و«فولتير». ثم مات في إنجلترا سنة 1679.
وأشهر مؤلفات هوبس هو كتابه
La nature humaine
وكتابه
Leviarhan
أو
La matière, La forme et ľautorité du gouvernement .
وفي هذا الكتاب الأخير دافع عن الأثرة، والاستبداد، فقد كان هوبس من غلاة الماديين، والإحساس عنده ليس إلا حركة من حركات المخ، وهذه الحركة متى وافقت الوظائف الحيوية أنتجت اللذة، واللذة تولد الرغبة، والرغبة تولد الإرادة، فليست الإرادة إلا رغبة مسيطرة. وهوبس لا يعرف باعثا للعمل غير طلب اللذة، أو الهروب من الألم، والعواطف عنده ليست إلا صورا لحب الذات.
وهوبس من أصحاب نظرية العقد الاجتماعي
Contrat Social
التي عني بها جان جاك روسو فيما بعد. ويرى هوبس أن الإنسان مفطور على الأثرة والشره، وأن جميع أعماله إنما هي سلم إلى مطامعه. وهذه الفطرة جعلت الحياة الطبيعية مرة المذاق، لطمع القوي في الضعيف. ويتخيل هوبس أن آباءنا الأولين لم يروا سبيلا إلى السلامة من شر الأقوياء غير الانضمام تحت لواء سلطة بشرية تدفع عنهم عادية المطامع، وهذه السلطة تتمثل في الملك، ولهذا الملك جميع الحقوق التي كانت لجميع الأفراد قبل التعاقد، وليس عليه إلا واجب واحد هو: حفظ الأمن.
ويرى هوبس تأييدا لنظرته أن الدين الحق هو دين الدولة مهما كان جوهره، وعلى كل فرد الخضوع له، والخروج عليه كفر ومروق.
ويظهر مما سلف أن هوبس يريد بنظرية العقد الاجتماعي تأييد الملوكية، وكذلك روسو حين يدافع عن هذه النظرية فإنه يرى أن حياة الطبيعة كانت حياة نعيم، وأن الناس لما أفسدوها بأنفسهم اضطروا إلى أن يتنازل كل فرد منهم عن جزء من حريته ليتكون من مجموع هذه الأجزاء قوة مدنية تدافع عن الجميع، وهذه القوة لا تمثل في الملك كما يرى هوبس، وإنما تمثل في شخص هو مندوب الأمة، ولها عزله حين تريد.