تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعتبر السبكي من أنصار الغزالي، وقد كتب عنه في الطبقات أكثر من ثمانين صفحة، «ودافع عنه دفاع الأبطال» حين عرض لخصومه. وهو يعتقد بكل سذاجة أنه لو لم يكن لدى المسلمين غير كتاب الإحياء لكفى!! وما أريد أن أطيل في الكلام عن السبكي، فقد عرضنا له عدة مرات. (5) الزبيدي

هو محمد بن محمد الحسيني الزبيدي. وهو من علماء القرن الثاني عشر، وقد وضع شرحا مطولا للإحياء في عشر مجلدات، انتهى من تأليف الجزء الأول منه في يوم الجمعة 25 محرم سنة 1193ه. وفي هذا الجزء كتب دفاعه عن الغزالي.

وهو من أشد أنصار الغزالي، ولكن دفاعه عنه دفاع سخيف، لا قيمة له، لا في نظر الشرع ولا في نظر العقل . من ذلك قوله في تأييد ما يراه الغزالي من أن الزواج ميل إلى الدنيا:

وأما كون التزويج من جملة الميل إلى الدنيا فهو ظاهر، لأنه في الغالب يطلب للاستمتاع، وذلك لا يحصل إلا بالوقوع في الآفات التي كان عنها بمعزل أيام عزوبته، لا سيما إن كان متجردا عن القيام بالأسباب التي تجلب له أمر معاشه فإنه يتلف بالكلية، ويلزمه الرياء لكل من أحسن إليه بلقمة أو خرقة أو غيرهما فأبغض الخلق إليه من يذمه عنده خوفا من أن يتغير اعتقاده فيه فيقطع عنه بره فكأن عبادة هذا كلها لأجل الذي أحسن إليه.

وهذا كلام غير مفهوم في الواقع، فضلا عن أن يكون دفاعا عن رأي يرى الناس أنه غير صواب.

الباب الثالث عشر

| في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين

| تمهيد

هذا باب إذا أطلته طال، لأن لآراء الغزالي أشباها كثيرة في الفلسفة الحديثة، وتحملني الرغبة في الإيجاز على الاكتفاء بأهم وجوه المقابلة بينه وبين الفلاسفة المحدثين. وحسبي أن أدل القارئ على كيفية السير في هذا الطريق.

| في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين

(1) الغزالي وديكارت

Descartes

أقرب الفلاسفة شبها بالغزالي هو «ديكارت» لأنه ارتاب كما ارتاب الغزالي، وبقي في شكه وارتيابه زمنا غير قليل.

ولد «ديكارت» في لاهاي سنة 1596م أي بعد الغزالي بنحو 530 سنة. تلقى العلم في مدرسة يسوعية، كأكثر الأطفال لعهده، وحمله جده ونشاطه على دراسة اللغات القديمة، والأساطير والتاريخ، والبلاغة، والشعر، والرياضيات، والأخلاق، واللاهوت. ولم يقنع بذلك، بل قرأ كل ما وقع في يده من نادر المؤلفات، كما حدث عن نفسه. ورحل إلى باريس في السادسة عشرة من عمره، وتطوع في الجندية، وعمل عدة سياحات في ألمانيا، والسويد، والدانمارك، ثم استقر في هولنده، حيث رأى الإقامة فيها أنفع لنشر آرائه بحرية لم تسمح بها فرنسا إذ ذاك.

وبعد أن أقام في هولنده عشرين سنة، مكبا على وضع مذهبه، دعته كريستين ملكة السويد لتتلقى عنه العلم، ولكنه لم يتحمل برد تلك البلاد، فقضى نحبه في سنة 1650 بعد أن أمضى نحو سنة في ستوكهلم ثم حملت جثته إلى فرنسا في سنة 1667 ودفن بكنيسة

Saint-Etienne .

مؤلفات ديكارت

يعتبر ديكارت في نظر مؤرخي الآداب الفرنسية أول رجل عبر عن آرائه الفلسفية بلغة واضحة، وجعل لغة الفرنسيين لغة فلسفية، بعد أن كان الفلاسفة من قبله يكتبون فلسفتهم باللغة اللاتينية. وأهم ما يعنينا من مؤلفاته:

أولا:

Règles pour la direction de ľesprit .

ثانيا:

Discours de la méthode .

ثالثا:

Méditations métaphysiques .

رابعا:

Les principes de la philosophie .

خامسا:

Les passions de ľâme .

ففي هذه المؤلفات بسط ديكارت آراءه الفلسفية، فليرجع إليها من شاء، فإنه لا يوجد عنه شيء مقنع بالعربية.

شكوك ديكارت

وكما ارتاب الغزالي حين رأى صبيان النصارى لا نشوء لهم إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام، فقد ارتاب ديكارت حين رأى شيوع التقليد، ورأى الناس في الأكثر إما أن يكونوا ضعفاء لا يقدرون على تمييز الحق من الباطل، فيتبعوا آراء غيرهم بلا بصيرة، وإما أن يكونوا أقوياء فيسرعوا إلى الحكم ثقة بقوتهم، فإذا شكوا بعد ذلك فقد لا يهتدون إلى سواء السبيل.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ١٠٤