تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي يعود إلى ترجمة ابن تيمية في الكتب التي عني مؤلفوها بترجمته يعرف كثيرا عن العقلية الإسلامية في القرن الثامن، ويكفي أن نلفت القارئ إلى قولهم «ودفن بمقابر الصوفية» فإن لذلك معاني لا تغرب عن ذهن اللبيب، وما أريد أن أزيد.

وابن تيمية من كبار المفكرين في الإسلام، ولكنه لا يخلو من سذاجة. فإنك بينما تراه يتوغل في المدركات المعقولة، تراه ينحدر فجأة في هاوية الأوهام. من ذلك قوله «العلماء هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد

صلى الله عليه وسلم

فعلماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم.»

6

وهذا بالطبع حكم لا سند له من معقول، أو منقول.

ويعد ابن تيمية من خصوم الغزالي لأنه كتب فصولا كثيرة في تناقضه، وتسفيه بعض آرائه. ومن أعجب ما رأيت له حكمه بأن الغزالي هجر طريق الصوفية في أخريات أيامه، وفي ذلك يقول: «ولهذا تبين له في آخر عمره أن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب الهدى من طريق الآثار النبوية، وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله، وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور مما أنكره الناس عليه».

وأنا لا أستعبد كلام ابن تيمية، فإن الغزالي كان متقلبا في آرائه لا يستقر على حال، فهو تارة فقيه، وتارة صوفي، وتارة فيلسوف.

وسبب هجوم ابن تيمية على الصوفية أنه رأى منهم من يفضل الولي على النبي، كما رأى من الفلاسفة من يفضل الفيلسوف على النبي. فإنا نراه يمدح ابن سينا لأنه يفضل النبي على الفيلسوف، ويسمي طريقه طريق العقلاء، ويذم الفارابي لأنه يفضل الفيلسوف على النبي، ويسمي طريقه طريق الغلاة. ويذم محيي الدين بن عربي لأنه كان يدعي أنه كان يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى النبي، لأن الملك على أصلهم هو الحال الذي في نفس النبي، والنبي في زعمهم يأخذ عن ذلك الحال، والحال يأخذ عن العقل، فهو على ذلك أفضل من النبي لأنه لا يحتاج إلى وسيط.

وأحب أن أنبه القارئ إلى أني إنما أذكر تاريخ فكرة من الأفكار الإسلامية، لا أكثر ولا أقل، والمؤرخ غير مسؤول. (3) ابن القيم

هو من تلامذة ابن تيمية. ولد في سنة 571ه. وتوفي سنة 691ه لقي في حياته ضروبا من الشدة بسبب آرائه الحرة. فقد حبس مدة لإنكاره أن تشد الرحال إلى قبر الخليل. وقد حبس مع ابن تيمية في المدة الأخيرة، ولم يفرج عنه إلا بعد موت أستاذه. وله عدة تصانيف. منها «مدارج السالكين»، و«شرح الكتاب العزيز»، و«نقد المنقول»، و«المحك المميز بين المردود والمقبول»، و«أعلام الموقعين» ... الخ.

وابن القيم هذا من ألد خصوم الغزالي، وقد نقلنا جملة من آرائه حين تكلمنا عن أغلاط الإحياء، فلا نعود إليها أبدا.

وأكرر ما قلته من أنني أوجز كل الإيجاز في هذا الباب، فلهؤلاء الذين أترجمهم آراء هي غاية في الخطورة، من حيث ما فيها من الدقة، ومن الجرأة، مع أنهم فيما أرى كانوا يبالغون في الاحتياط، لأن العالم الإسلامي كان يضطهد الفلاسفة إذ ذاك. ولو سمح لنا الدهر بوضع كتاب في الفلسفة الإسلامية لاستطعنا أن نرفع عن هؤلاء الأفذاذ آصار الخمول. (4) السبكي

هو تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي المتوفى سنة 771ه. والسبكي هذا من كبار المؤلفين. وكتابه «جمع الجوامع» في الأصول يدل على كده وكدحه في سبيل العلم، وإن كان غاية في اللبس والغموض. وكتابه «طبقات الشافعية الكبرى» كتاب جيد، من حيث ما فيه من عيون المسائل الفقهية، ومن حيث الترتيب. وعيب السبكي يرجع إلى ضعفه في النقد والتمييز، ولو خلت كتبه من الآراء التي اعتمد فيها على ذاكرته فقط، لكان لها شأن كبير.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ١٠٣