ومما حمل ديكارت على الشك ما رآه في أسفاره من اختلاف العادات والآراء، وتباين العقائد والمدركات، وما تبينه من تأثير التربية في التفرقة بين أخلاق الشعوب.
وأهم ما تنبه له في رحلاته الشك في قيمة الرأي العام، والاستهانة بكثرة الأصوات، لأن إجماع الأمة على رأي لا يدل على أنه رأي الأمة، فقد يكون رأي فرد واحد، حملت عليه الأمة لسبب من الأسباب.
وآراء الفلاسفة كانت مما حمل «ديكارت» على الارتياب، إذ قلما يوجد رأي غريب بعيد التصديق إلا وقد قال به فليسوف.
ولكن ديكارت كان في ارتيابه أصرح من الغزالي، فبينما نجد الغزالي يحدثنا بأنه دام قريبا من شهرين على مذهب الفلسفة «بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال» أي أنه لم يكاشف الناس بشكه إلا حين أجمعوا أو كادوا يجمعون على تقديسه، نجد ديكارت يتطلب الأماكن الصالحة لنشر شكوكه، ونجده يحكم ببطلان الآراء التي بنى عليها آراءه حين ظنها حقه، وبوجوب التخلي مرة واحدة عن جميع آرائه، ليضع بناء جديدا على أساس جديد.
ونرى الغزالي شك في المحسوسات، لأنه ينظر إلى العقل فيراه واقفا لا يتحرك، فيحكم بنفي الحركة، ثم يعرف بالتجربة والمشاهدة أنه يتحرك ولكن بالتدريج. ثم نراه هم بالشك في العقليات، لأنه يعتقد في النوم أمورا، ويتخيل أحوالا لها ثباتا واستقرارا، ثم يستيقظ فيعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاته ومعتقداته أصل، فيسأل: بم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك، وقد يمكن أن تطرأ عليك حالة أخرى تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك؟
كذلك نجد ديكارت يقرر أن الأشياء التي سلم بأنها أثبت من غيرها وأصح، إنما كان اعتمد في صحتها وثباتها على الحواس، وقد تبين غير مرة أن الحواس خداعة، وهو كذلك يرى في نومه تصورات يعلم حين يستيقظ أنها باطلة، فمن أين يعرف فضل اليقظة على المنام، أو فضل المنام على اليقظة، وهو في كليهما مضلل مخدوع؟!
الفرق بين الغزالي وديكارت
الفرق عظيم جدا بين الغزالي وديكارت، فإن الغزالي خرج من شكه بطريقة لا تصل بأحد إلى يقين، خرج من شكه بنور الله، ونور الله هذا لا يعرفه العلم، حتى يضمه إلى ما لديه من أصول. والغزالي نفسه يشعر بذلك، فقد نراه يحكم بأن من ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله الواسعة، وينقل أن رسول الله لما سئل عن «الشرح» ومعناه في قوله تعالى:
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام
1
قال: «نور يقذفه الله في القلب فيشرح به الصدر، فقيل وما علامته؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود.» يقول الغزالي: وهو الذي قال
صلى الله عليه وسلم
فيه: «إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.» فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف!!
وما دام الغزالي لم يرجع عن شكه «بنظم دليل وترتيب» كما قال، فمن العبث أن نستعين بالعقل والمنطق لنخرج من ظلمات الشكوك. وهذا ما يناقض كل ما فعله ديكارت للخروج من شكوكه، وكذلك كان الغزالي سببا لخمود الفلسفة في الشرق كما كان «ديكارت» سببا لنهوضها في الغرب.
أسلوب ديكارت
لم ير ديكارت من الحكمة أن يخرج على ما في بلاده من عادات وقوانين، بل رأى من الخير أن يحافظ على الدين الذي نشأ عليه، وأن يسير على أكثر الأمور قبولا واعتدالا عند أهل عصره، حتى يتمكن من وضع مذهبه في طمأنينة وسكون.
ويقول بول جانيه
Paul Janet : إن ديكارت حين اقتنع بعدم كفاية العلوم المعروفة لعصره لم يركن إلى الارتياب كما فعل مونتيني
Montaigne
بل رأى من الواجب أن يبني صرح العلم على أساس جديد. وكذلك يمكن أن نقول إن الغزالي انهزم أمام شكوكه، ولكنه لم يركن إلى الارتياب كما فعل مونتيني، ولم يفكر في وضع العلم على أساس جديد كما فعل ديكارت، ولكنه انتظر هداية الله، والله يهدي من يشاء.