وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء .
1
يقتضي بظاهره وجودا قبل هذا الوجود، وهو العرش والماء، وزمانا قبل هذا الزمان، أعني المقترن بصورة هذا الوجود، الذي هو عدد حركة الفلك. وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات .
2
يقتضي بظاهره وجودا ثانيا بعد هذا الوجود. وقوله تعالى:
ثم استوى إلى السماء وهي دخان .
3
يقتضي بظاهره أن السموات خلقت من شيء.
وهناك صفعة ثانية تفضل بها ابن رشد على علماء التوحيد. ذلك بأن هؤلاء القوم يختلقون من الأساليب والاصطلاحات ما لا يعرفه الدين، ثم يقولون: من تعدى هذه الحدود فهو كافر.
فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟!
4
وإليك ما يقول ابن رشد في ذلك:
والمتكلمون ليسوا في قولهم أيضا في العالم على ظاهر الشرع، بل متأولون، فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجودا مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه أيضا أبدا، فكيف يتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع انعقد عليه؟ ثم قال: والظاهر الذي قلناه من الشرع في وجود العالم قد قال به فرقة من الحكماء. ويشبه أن يكون المختلفون في هذه المسائل العويصة إما مصيبين مأجورين، وإما مخطيئن معذورين، فإن التصديق بالشيء من قبل الدليل القائم في النفس هو شيء اضطراري لا اختياري، أعني أنه ليس لنا أن نصدق أو لا نصدق، كما لنا أن نقوم أو لا نقوم، وإذا كان من شرط التكليف الاختيار، فالمصدق بالخطأ من قبل شبهة عرضت له إذا كان من أهل العلم معذور، ولذلك قال عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر».
وبمناسبة كلام ابن رشد نقرر أن علماء التوحيد أسرفوا في تكفير الفلاسفة بل أسرفوا في تكفير بعضهم البعض، بأسباب ضعيفة لا يعرفها الإسلام، ومازالوا يسرفون حتى حفظ عنهم الرأي العام جملة تعابير هي مناط الكفر والإيمان. وفي كتاب «فيصل التفرقة» للغزالي مظهر لهذه الآراء الفلسفية التي ظنها الأولون حقائق، وهي في الواقع أباطيل.
والذي أراه أن مجازفة علماء التوحيد في الحكم بحدوث العالم، وفي وصف الله بصفات معينة محدودة، وفي تعيين مصير العالم بشكل خاص، كل أولئك يدل على أن هؤلاء الناس كانوا في غاية السذاجة، وأن نظرهم كان غير بعيد. وستسخر المقادير منهم يوم تطوى كتبهم وآراؤهم، ويدخلون فيما يسمى قبل التاريخ، كما دخل من قبلهم ألوف الألوف من أصحاب الشرائع والقوانين. (2) ابن تيمية
ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة 661ه. وقدم به والده إلى دمشق في سنة 667ه حين استولى التتار على حران. وقد تلقى عن والده الفقه والأصول، ثم عني بالنظر في الحساب والجبر والفلسفة، وتقدم للتدريس وسنه دون العشرين. وقد بلغت مصنفاته ثلاثمائة مصنف. منها تعارض العقل والنقل والجواب الصحيح في الرد على النصارى وإثبات المعاد والرد على ابن سينا وإثبات الصفات والرد على الإمامية ... إلخ.
قال الحافظ ابن كثير: وفي رجب سنة 704ه راح الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مسجد الفارنج وأمر أصحابه وتلامذته بقطع صخرة كانت تزار وينذر لها هناك. فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزال عن المسلمين شبهة كان شرها عظيما. وبهذا وأمثاله أبرزوا له العداوة. وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه، فحسد وعودي، ومع هذا لا تأخذه في الله لومة لائم، ولم يبال بمن عاداه. ولم يصلوا إليه بمكروه. وأكثر ما نالوا منه الحبس، مع أنه لم ينقطع عن البحث لا بمصر ولا بالشام.
وكان ابن تيمية كثيرا ما ينشد هذه الأبيات:
لو لم تكن في القلوب مهابة
لم يطعن الأعداء في ويقدحوا
كالليث لما هيب خط له الزبى
5
وعوت لهيبته الكلاب النبح
يرمونني شزر العيون لأنني
غلست في طلب العلاء وصبحوا
وقد توفي رحمه الله في صباح يوم الاثنين عاشر ذي القعدة سنة 728ه وهو في السجن. فأخرج إلى الجامع في يوم مشهود لم يعهد في دمشق مثله، وقد تبرك الناس بماء غسله، واشتد الزحام على نعشه، ودفن بمقابر الصوفية بعد أن صلوا عليه مرارا، وقدر من حضر جنازته من الرجال بمائتي ألف ومن النساء بخمسة عشر ألفا. ورثاه كثير من العلماء منهم ابن الوردي.