وقد أكثر الشعراء من رثاء نظام الملك، فمن ذلك قول مقاتل بن عطية البكري:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة
يتيمة صاغها الرحمن من شرف
بدت فلم تعرف الأيام قيمتها
فردها غيرة منه إلى الصدف •••
وكما بنى الفاطميون الجامع الأزهر في أواسط القرن الرابع لتأييد مذهب الشيعة، بنى نظام الملك مدارسه في أواسط القرن الخامس لتأييد مذهب أهل السنة. وهكذا كان المسلمون ينشئون المدارس لتثبيت الملك، كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون في هذا الجيل، ولا عيب في ذلك: فالعلم من أمضى الأسلحة في استلال السخائم من الصدور، والسياسة أدهى وأمكر من أن تغفل مثل هذا السلاح!
وكذلك عني نظام الملك بإنشاء المدارس والرباطات، ليغمر العلماء والزهاد بفضله، فيكون له منهم جرائد شفوية تنشر دعوته في الشام والعراق وخراسان، وهكذا فهم روح العصر فاستغل أهله، حتى ليذكرون أنه كان إذا دخل عليه الأئمة الأكابر لا يقوم لهم، ويجلس في مسنده، وكان له شيخ فقير، إذا دخل إليه يقوم له، ويجلسه في مكانه ويجلس بين يديه، وإنه سئل عن ذلك فقال: إن أولئك إذا دخلوا يثنون علي بما ليس في، فيزيدني كلامهم عجبا وتيها، وهذا يذكرني بعيوب نفسي فأرجع عن كثير مما أنا فيه!
وإذا صحت هذه الرواية فإنها تدل على أن علماء ذلك العصر كانوا أضعف من أن يجهروا بالنهي عن المنكر، وإن الخاصة كانوا لا يأبون سماع النصح من الفقراء والمجاذيب، لأن السياسة كانت تقضي إذ ذاك بمجاملة هذا الصنف من الناس.
ومهما تكن نيات نظام الملك - والله عليم بذات الصدور - فإنه مشكور الصنيع، فقد أكثر من المدارس، ووقف عليها الأوقاف، ورتب للطلبة الجرايات، وبنى لهم الأسواق والمساكن والحمامات، وظلت مدارسه بأوقافها زمنا ليس بالقليل، وتخرج منها كثير من العلماء والأدباء. •••
ولهذه المدارس النظامية فضل على الغزالي، فقد تلقى العلم في مدرسة نيسابور. وتولى التدريس في مدرسة بغداد، وسنعود إلى تفصيل ذلك في غير هذا الباب.
الفصل الخامس
| روح ذلك العصر
1
من الصعب تحديد الروح السائد في عصر من العصور، وإنما غاية المؤرخ أن يذكر الشواهد والأمثال، ويستخلص منها ما يرجح أن تكون عليه صورة العصر الذي يدرسه.
وأنا أرجح أن تكون السذاجة هي الصفة الغالبة في ذلك العصر مع شيء من المكر في الأمراء والعلماء. ومن الشواهد الدالة على هذه السذاجة ما ذكره الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» من أن الناس كانوا يقولون حين ترك المدرسة النظامية ببغداد: إنها عين أصابت الإسلام! وما نقل السبكي من أن أحد معاصريه سمعه يقول: «قطعت علينا الطريق وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا، فتبعتهم، فالتفت إلي مقدمهم وقال: ارجع ويحك وإلا هلكت! فقلت له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به، فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة، هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها، وقد أخذناها منك، فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟ ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلي المخلاة. قال الغزالي: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد من علمي.»
والسذاجة ظاهرة في هذا الحديث، فمن الواضح أن حفظ الكتب عن ظهر قلب حتى لا تبقى إلى حفظها حاجة، آفة عظيمة في تكوين العقول، فليست قيمة العالم فيما يحفظ، ولكن قيمته في حسن الفهم، وأصالة الرأي، وصواب الحكم.
ومن شواهد السذاجة ما أورده نظام الملك في وصيته
1
التي تركها لخلفه من الساسة حيث يقول:
كان الإمام الموفق النيسابوري من جلة علماء خراسان، مبجلا مهيبا، وقد نيف على الخمس والثمانين، وكان السائد في عقيدة أهل زمانه أن كل من قرأ عليه العلوم العربية نبغ فيها، وبلغ الغاية، وانساق إليه العز والجاه، والنعمة والثراء، ولذلك وجهني أبي من بلدة طوس إلى نيسابور مع عبد الصمد الفقيه، لأقرأ على ذلك الأستاذ النابغة الجليل. وهنالك حظيت به، فوشجت بيننا أواصر المودة، وتأكدت عرا الصداقة ولحظني بعين عنايته، وأنزلته من نفسي أخص منزلة وألطفها، ولبثنا على ذلك سنين عدة. وكنت أول ما نزلت به، وجلست في حلقته، لقيت تلميذين في مثل سني، حديثي عهد مثلي بالقراءة على الإمام الموفق. وهما عمر الخيام والحسن بن الصباح، وكانا آيتين في الفطنة والذكاء فأنس كل منا بصاحبيه، ونمت بيننا نحن الثلاثة أحسن صحبة وأمتنها. فكان إذا قام الإمام عن الدرس، وانفضت الحلقة، اجتمعنا فتذاكرنا ما تلقيناه عليه من المعارف. وكان الخيام من أهالي نيسابور، أما الحسن بن الصباح فكان أبوه ناسكا ورعا متقشفا، ولكنه كان زنديقا، فأقبل الحسن يوما على عمر الخيام فقال له: لقد صح في أذهان الناس قاطبة أنه ليس من تلميذ يتخرج على الإمام الموفق إلا مصيبا عزا وإقبالا وثروة وجاها، فهب أن ذلك لم يتفق لنا نحن الثلاثة جميعا فإنه لا بد أن يقع لواحد منا، فماذا يكون حق الخائبين على ذلك الفائز الظاهر؟ قلنا له: اقترح ما تشاء، فقال: فلنتعاهد الآن على أنه من أصاب منا الثراء فعليه أن يقسمه فيما بيننا نحن الثلاثة على السواء، لا يؤثر نفسه بشيء دون أخويه فأجبنا: ليكن ذلك كما قلت. ثم تحالفنا على ذلك وتعاهدنا، ومرت الأعوام على ذلك، وغادرت خراسان متجولا في فضاء الله، إلى غزنة، ثم إلى كابل، ولما عدت تقلدت منصب الوزارة في سلطنة السلطان ألب أرسلان، وبعد مدة من الزمن عرف ذلك صاحباي. فآتياني يطلبان إنجاز وعدي القديم وإشراكهما فيما انحاز لي من النعمة والثراء.