7 ...
بمثل هذه الجهود الجبارة صنعت بغداد صرح أصول الهندسة لإقليدس، وهو هيكل الرياضيات القديمة وعمادها وعمودها وعمدتها، والذي أهداه أديلارد إلى الحضارة الغربية. ليكون فاتحة عهدها بالنهضة الرياضية وبالتالي العلمية، وقد اعتمدت أوروبا على ترجمة أديلارد طوال القرون الأربعة التالية - وهي التي شهدت نشأة العلم الحديث، حتى تم اكتشاف الأصل الإغريقي فيما بعد.
كان أديلارد أيضا شديد الاهتمام بالفلك، ألف كتابا في «الأسطرلاب» أهداه إلى هنري الأصغر - وهو إهداء يفيد علاقاته الوطيدة بالبلاط الملكي - وفي كتاباته إشارات عديدة لها، كما يفيد تأليف هذا العمل بين عامي (1142-1146). بصفة عامة كان أوج نشاط أديلارد بين عامي (1136-1154).
وأيضا ليس لهذا الكتاب قيمة كبيرة، قيمة أديلارد الفلكية تتركز هي الأخرى في ترجمته للأعمال العربية الفلكية. فقد أعطى الدارسين اللاتين أول مثال متكامل للبحث في علم الفلك القديم حين ترجم ملخصات أبي معشر الفلكي. كما ترجم أعمالا فلكية لثابت بن قرة. على أن أهم ما ترجمه هو الجداول الفلكية للخوارزمي، والتي كان مسلمة المجريطي قد راجعها، وبالترجمة العربية قدم أديلارد للاتين الصورة المتكاملة للتقاويم والجداول والأزياج الفلكية، كما كانت مطروحة في القرن العاشر، وهي خلاصة هندية - إغريقية - عربية.
8
وأيضا كان أديلارد عالما طبيعيا، وذا عقلية علمية. كتابه «المباحث الطبيعية»
Quaestiones Naturales
يؤكد ميلا قويا لمناقشة العلية الطبيعية المباشرة، بدلا من تفسير الظواهر الطبيعية بالقوى الفائقة للطبيعة، ويعكس اتجاها تجريبيا واضحا يرى أن العقل غير كاف لحل مشاكل الكون، ولا بد من الملاحظة والقياس، ومن الظواهر التجريبية التي جذبت الاهتمام التجريبي لأديلارد، مسلك الماء المنحبس في إناء مقلوب دون أن يسيل خارج الإناء إلى أن يدخل الهواء من الفتحة السفلية، ومرة أخرى أبحاثه التجريبية وفي العلوم الطبيعية لا تساوي كثيرا، فحتى في بحثه لهذه الظاهرة لم ينج من الأفكار السحرية، أما العناصر ذات القيمة العلمية فهي تشابه مثيلتها في أبحاث هيرو السكندري المشروحة بكتابه
Pneumatiea
الذي ترجم عن العربية في القرن الثاني عشر.
9
وشبيه بهذا حال إسهاماته القليلة في الطب.
لكن لا نستطيع إنكار أنه تمتع بعقلية ذات مبادئ وأصول علمية متينة، تكشف عنها محاوراته مع ابن أخيه لتلقينه إياها، والتي نشرت؛ حيث نجد أديلارد ينتصر للبحث العلمي والعقلانية، ويحارب السلطة والدوجماطيقية، ويهاجم الاعتماد الكلي على المراجع، ويقول في هذا: «تعلمت عن أستاذي العربي أن أزن كل شيء بميزان العقل، وإذا أردت أن تسمع مني أكثر من ذلك فناقشني بالعقل؛ لأني لست من الرجال الذين يجرون وراء الخيال.» ... «ومن ذا الذي يستطيع إدراك مدى السماء بمجرد النظر؟ ومن ذا الذي يستطيع تمييز الذرات الدقيقة بالعين المجردة؟» ويقول ثورندايك: «إن مثل هذه الأسئلة تعبر عن الحاجة للمنظار المقرب، وتدل على أن الظروف لاختراعه كانت في طريق النضج.» ويقرر أديلارد مبدأ عدم فناء المادة، فيقول: «من المؤكد في نظري أن لا شيء يفنى كلية في هذا العالم الحسي، أو أنه أقل اليوم مما كان عليه يوم أن خلق، وإذا ما ذاب جزء في مادة ما فإنه لا يفنى، وإنما يتحد مع مادة أخرى.»
10
وأخيرا، كان أديلارد فيلسوفا محترفا، ألف كتاب «الهوية والاختلاف»
De eodem et diverso - وهو نفس العنوان الذي اتخذه هيدجر عنوانا لأحد مؤلفاته - يعالج فيه أديلارد مشكلة الكليات التي عادت للظهور؛ أي حقيقية وجود الكيانات التي تدل عليها الأسماء الكلية، وقد انشغلت بها العصور الوسطى انشغالا جما. فتناول أديلارد في بحثها الصلة بين الأفراد من ناحية، والأجناس من ناحية أخرى، وانتهى إلى أن الأجناس والأنواع كليات لا تتأثر بالخصائص الفردية.