ولعل أهم النواتج التي تمخض عنها كل هذا هو انتقال الرياضيات العربية من عاصمتها بغداد إلى قرطبة، لتصبح قرطبة بدورها من أبرز مراكز الدرس الرياضي فى عصرها. وإذا كان رائد الرياضيات الأندلسية هو أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريط المعروف بمسلمة المجريطي (وقيل إن المجريطي = المدريدي) (950-1007م) والذي يلقب بإقليدس الأندلس، فإن المجريطي أنجب تلاميذ كثيرين أنشئوا المدارس في قرطبة. من أهمهم الكرماني وهو (أبو الحكم عمرو بن عبد الرحمن بن احمد بن علي الكرماني)، قيل عنه إنه أعلم علماء زمانه بالهندسة، وأيضا ابن الصفار، وهو أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عمر الشهير بابن الصفار، وكان متحققا بعلم العدد والهندسة والنجوم وله زيج مختصر وكتاب في (العمل بالأسطرلاب) ويقول عنه صاعد الأندلسي: إنه موجز حسن العبارة قريب المأخذ، وله تلاميذ كثيرون اشتهروا بالفضل والعلم. وكذلك كان كل عالم رياضة مبرز في قرطبة له تلاميذ، حتى اشتهرت قرطبة بمدارسها الرياضية وأخرجت جحافل من علماء الرياضة العربية. نذكر منهم في القرن العاشر الميلادي: ابن السمينة البصير بالحساب، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن زيد الذي اشتهر في الحساب والمنطق، وابن شهر، وابن البرغوث الذي يعد من أشهر تلاميذ ابن الصفار، ومنهم أيضا محمد بن خيرة العطار أبرز معلمي الهندسة والعدد بقرطبة آنذاك. هذا فضلا عن التالين في القرن الحادي عشر من أمثال التجيبي المعروف بالقويدس، وابن حي
5 ... ولن ننتهي من حصرهم؛ خصوصا وأنها أنجبت أضعافا مضاعفة في القرن التالي - القرن الثاني عشر - وهو قرن أديلارد الباثي
Adelard of Bath . •••
وها هنا يتبدى دور أديلارد الباثي الذي استقطب هذا الزخم الصادر عن قرطبة، وهو ليس راهبا كما يظن، ويعد من أهم الشخصيات الرياضية في أوروبا إبان القرن الثاني عشر؛ وذلك لأنه في طليعة المترجمين الذين تكفلوا بنقل الرياضيات العربية إلى اللاتينية.
لم يكن أديلارد مترجما فحسب، بل كان أيضا عالما وفيلسوفا. جهوده المبكرة في الحساب ظهرت في عمل عنوانه
Regula abaei
ليس له قيمة كبيرة؛ لأنه تكرار لجهود بؤثيوس
Boethius (480-524م) وجيلبرت. على العموم انكب بعد هذا على الرياضيات العربية ليبدأ في اتخاذ دوره على مسرح الفكر
6
وتاريخ العرفان، والذي يتركز في نقله إياها إلى اللغة اللاتينية.
فقد كان أديلارد صاحب أول ترجمة متكاملة في تاريخ العلم الأوروبي لصرح الرياضيات القديمة الأعظم: أصول الهندسة لإقليدس. كان بؤثيوس قد سبق أن ترجم أشتاتا منه، أما أديلارد فقد ثابر حتى طرح بمفرده ترجمة متكاملة لأجزائه الخمسة عشر، وكما هي مطروحة في الأصل العربي، على الرغم من أن الجزءين الرابع عشر والخامس عشر في هذا الأصل ليست من وضع إقليدس نفسه، بل شروح وإضافات لاحقة.
وكانت هذه الترجمة العربية قد بدأت حين أمر بذلك جعفر البرمكي، إبان العصر الذهبي للعلم والحضارة الإسلامية الذي صنعته بغداد، وكان «الأصول» أول ما ترجم من كتب الإغريق، وقد ترجم من اليونانية إلى السريانية في مدارس الإسكندرية، ولأول مرة ترجم الحجاج بن يوسف بعض كتبها عن السريانية إلى العربية في بدايات القرن التاسع الميلادي من أجل الخليفة هارون الرشيد، ثم راجع ترجمته من أجل الخليفة المأمون، وبصفة عامة يقترن اسم الحجاج الرائد بالترجمات الأساسية للأصول، والتي اعتمد عليها أديلارد ، ولكن على مدار عهدي هارون الرشيد والمأمون وما تلاهما، عمل على ترجمة أجزاء كتاب الأصول ومراجعة الترجمات وتنقيحها كوكبة من ألمع المترجمين والرياضيين. منهم أشهر المترجمين إسحق بن حنين، وراجع ترجمته ثابت بن قرة الحراني الصابئي (ت 221ه/835م)، وقد أتقن ثابت السريانية واليونانية والعبرية، وكان جيد النقل إلى العربية، حتى عده جورج سارتون من أعظم المترجمين، فضلا عن أنه من أعظم الرياضيين في عصره. كما قام سهل بن رابان الطبري - وهو يهودي من أهل مرو التي كانت إحدى مراكز الثقافة الإغريقية في فارس بعد غزو الإسكندر لها - بترجمة أجزاء أخرى، وقام الحجاج بن يوسف بمراجعة ترجمات سهل، كما راجعها فيما بعد محمد بن جابر بن سنان البتاني عام 929م، كما سبق أن راجع قسطا بن لوقا البعلبكي في عام 912 الترجمة الأصلية التي قام بها الحجاج، وفي نفس هذا الوقت كان سعيد الدمشقي قد ترجم أجزاء أخرى من الأصول