تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

ومع كل هذا، يظل أديلارد - أولا وقبل كل شيء - مترجما للرياضيات العربية، ولن توليه اهتماما كبيرا إلا الجهات والمصادر والمراجع التي تتعرض لهذا الموضوع.

12

ولكن لنلاحظ أن أديلارد تعلم العربية في صقلية جنوبي إيطاليا، وقام منذ فجر شبابه بأسفار واسعة لطلب العلم. مثبوت منها أن أولها كانت إلى فرنسا؛ حيث درس في طوروز ودرس في ليون، وبعد أن غارد ليون قام برحلة استغرقت سبع سنوات، زار فيها صقلية وسوريا وربما فلسطين. يهمنا الآن أن زيارته لإسبانيا ليست مثبوتة تاريخيا!

ومع هذا لا يمكن تناول أعماله بغير التراث الأندلسي ومقتنيات مكتبة قرطبة، وهذه مصادرة ملزمة للباحثين، حتى مثلت مشكلة لا بد لمؤرخي العلم أن يضعوا حلا لها. ذهب بعضهم أن أديلارد استغل إتقانه للغة العربية وذهب إلى قرطبة - وبالتحديد عام 1120م - متخفيا في شخصية طالب علم مسلم؛ ليستطيع التوغل في دهاليز مدارسها.

13

وذهب البعض الآخر أنه اعتمد على المستعربين

Mos Mozarabes

الذين يعدون من أهم العناصر التي عملت على نقل حضارة الأندلس، وثقافتها إلى أوروبا، والمستعربون هم النصارى واليهود الذين كانوا يمارسون في الأندلس أشغالا عملية وعلمية مختلفة، وكانوا يستعملون العربية في مخاطباتهم ومعاملاتهم، ويتعلمون آدابها وعلومها إلى حد أن البرو القرطبي تحسر على الإفراط في ذلك.

14

ويبدو هذا الاحتمال هو الأرجح، بل ويمكن تحديد أسماء المستعربين الذين حصل أديلارد منهم على النصوص القرطبية، وهما: بطرس ألفونسو

P. Alphonsus ، ويوحنا أكريتوس

J. Ocreatus .

وسواء أكان أي من الاحتمالين هو الصحيح، فإن الذي يهمنا الآن هو أن ننتهي معا إلى أنه لا يمكن فهم دور أديلارد في نقل الرياضيات العربية من مركز توهجها - بغداد - إلى أوروبا والحضارة الغربية، وبالتالي إلى حركة العلم الحديث، بدون المصادرة على الحضارة الأندلسية، ومدرسة قرطبة بالذات.

على أن هذه مصادرة من ماضي العلم، وما زلنا حتى الآن هناك في ماضيه، نريد أن نعود الآن إلى زخم الحضارة في خواتيم القرن العشرين، وما أنجزه العلم طوال ذلك المدى من إنجازات طبقت الخافقين ... نعود إلى الحاضر؛ بل والمستقبل، لنلحق تلك المصادرة من ماضي العلم بمصادرة من حاضر العلم ومستقبله، عسى أن يكون تناولنا لتاريخ العلم مجديا أكثر. •••

فلما كان العلم الحديث هو التمثيل العيني لمقولة التقدم في حياة البشر؛ حيث يكاد يكون المنشط الإنساني الوحيد الذي يمثل - من أية وجهة أو زاوية للنظر - متصلا صاعدا، كل يوم أفضل من أمسه، فإن التفكير العلمي في صلبه تفكير مستقبلي، ومن هذا المنطلق المستقبلي تتأتى البحوث الدءوبة في فلسفة العلم، التي يمكن اعتبارها الوجه الآخر لتاريخ العلم. بعبارة أخرى: نحن نبحث في تاريخ العلم - في ماضيه - من أجل استشراف أفضل لمستقبله، لإمكانياته.

على هذا الأساس المستقبلي لا بد تأكيد أن كل تفكير في فلسفة العلم وتاريخه عقيم غير مجد، ما لم يتم في ضوء ثورة العلم المعاصر التي تفجرت مع مطالع القرن العشرين لتقلب مثاليات العلم وأصوليات منهجه رأسا على عقب، فتفتح أمام العلم إمكانيات جعلت تقدمه يكاد يسير بمتوالية هندسية بعد أن كان يسير بمتوالية عددية، فأمكن اعتبارها أعظم ثورة أنجزها الإنسان، وتحت وطأتها ارتجت وتقوضت دعائم عرش نيوتن، وبعد أن ساد الاعتقاد بأن نيوتن اكتشف حقيقة هذا الكون وانضبطت منظومة التفكير العلمي على هذا الأساس، أدركنا - بفضل هذه الثورة - أن نظرية نيوتن مجرد محاولة جبارة وناجحة في حدودها - فقط حدودها القاصرة دون عالم الذرة والإشعاع - لا سيما بعد أن تفتتت الذرة إلى جسيمات، ثم تفتتت الجسيمات - أخيرا - إلى كواركات

Quark

فانقشع وهم اليقين والضرورة، وأدركنا أن كل نظرية علمية مهما كانت عظيمة هي مجرد محاولة ناجحة، تفتح الطريق أمام محاولة أخرى أنجح وأكفأ، ولن تصل نظرية إلى سدرة المنتهى، ولن تختم مسار البحث العلمي الذي سيظل مفتوحا إلى أبد الآبدين أمام محاولات أنجح وتقدم أعلى.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٨