وبهذا يتضح لنا دور الرائد المثابر أديلارد الباثي في شق رافد قوي ساهم في تدفق نهر العلم الحديث، وذلك حين تكفل بنقل الرياضيات العربية من مركز توهجها في بغداد إلى اللغة اللاتينية، معتمدا في هذا على التراث الأندلسي والنصوص الأندلسية، خصوصا مكنونات مكتبة قرطبة.
وسوف نرى أن جهود أديلارد الباثي وخطورة دوره، يعنيان أن قرطبة ومدارس الرياضيات فيها من العوامل التي لا يمكن فهم تاريخ العلوم الرياضية ونشأة العلم الحديث بدونها. •••
فقد كانت قرطبة هي المركز المتألق للحضارة الأندلسية، وللعلم الأندلسي على العموم والرياضيات على الخصوص. فاكتسبت شهرة عالمية، وأصبحت من أهم مراكز الدرس في عصرها، واقترن اسمها بالعلم والعلماء، حتى قيل فيها:
بأربع فاقت الأمصار قرطبة
منهن قنطرة الوادي وجامعها
هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة
والعلم أعظم شيء وهو رابعها
2
وبطبيعة الحال ثمة عدة عوامل تهيأت لقرطبة وأدت لهذا، يجملها العاملان الجغرافي والتاريخي. العامل الجغرافي: هو وقوعها على نهر الوادي الكبير الخصيب والدافئ وسهولة الانتقال منه إلى بقية مراكز الحضارة الأندلسية في جنوب أيبريا أو إسبانيا، وتكاد قرطبة أن تكون على رأس مثلث، طرفاه مركزان آخران للحضارة الأندلسية توسطتهما، وكانت على مقربة من كليهما، ألا وهما غرناطة وأشبيلية، ولكن إذا كانت أشبيلية تميزت بقصورها وعمائرها، فإن قرطبة تميزت بمدارسها وعلمائها.
على أن دور قرطبة المتميز في الحضارة وفي العلم - وهما عادة لا ينفصلان - تهيأ لها بفعل تاريخها أكثر مما تهيأ بفعل جغرافيتها. فقد كانت قرطبة مركز الدولة الأموية وحاضرتها، وبعد أن اعتلى «الأمير عبد الرحمن بن محمد» الإمارة في قرطبة استطاع أن يضوي الممالك تحت لوائها، وبمجيء عام 330ه كانت قرطبة مركز المجد الإسلامي في إسبانيا، واستمر هذا حتى عام (442ه/1031م) وهو عام سقوط قرطبة وانفراط سلك الخلافة الأموية، وقيام الدويلات والممالك التي كانت بداية النهاية للحضارة الأندلسية، ولكن حتى بعد أن سقطت قرطبة، لم يمنع سقوطها من أن يستمر ازدهار العلوم فيها؛ لأنه كان نتاج فعالية عميقة ومكثفة.
فمنذ أن استقرت فيها الخلافة الأموية، إلا وعمل أمراؤها على اتخاذ بلاط تسوده الأبهة والفخامة، ونشط استقدام الشعراء والفلاسفة والعلماء من المشرق الإسلامي، وولعوا باقتناء الكتب، وجدوا كي تصل قرطبة إلى مستوى يضاهي ما وصلت إليه بغداد ودمشق والقاهرة.
3
فأصبحت في قرطبة واحدة من أكبر مكتبات العالم القديم، ضمت مائتي ألف مجلد، وقيل أربعمائة ألف، وكانت فهارسها تستغرق أربعا وأربعين كراسة، كل منها خمسون ورقة، ليس فيها إلا عناوين الكتب، بينما كانت أكبر مكتبة في أوروبا آنذاك - وهي مكتبة كنيسة كنتربري - لا تضم أكثر من خمسة آلاف كتاب. أما غيرها من المكتبات الكبيرة فكانت لا تحوي في العادة أكثر من مائة مجلد، مع استثناء مكتبة كلوني التي ضمت في القرن الثاني عشر - قرن أديلارد الباثي - خمسمائة وسبعين كتابا.
4
ويقول ابن سعيد المغربي في كتابه «المغرب في حلي المغرب»:
إن الأمير عبد الرحمن الأوسط وابنه الحكم المستنصر جدا وأنفقا في إرسال الرسل للبحث عن الكتب في المشرق، وجمع ابنه ما لم يجمعه أحد من الأمراء والملوك، وأوجد في قرطبة أكبر عدد من الكتبة والنساخين والمجلدين والمزخرفين، استقدم بعضهم من صقلية ومن بغداد، على الإجمال، كان نقل واستجلاب التراث المشرقي الخصيب يسير على قدم وساق، فتزدهر قرطبة.
وقد كان للأمير القرطبي الرابع «عبد الرحمن الثاني» أكبر النصيب في إنماء الازدهار القرطبي، إذا برز كأكبر الحماة للعلماء وصديقا مخلصا للأدب والفنون، ويهمنا الآن شغفه البالغ بكل ما يتصل بعلمي الرياضيات والفلك.