ولأنه لا يصح إلا الصحيح فقد حل الوعي التاريخي بفلسفة العلم - بعد طول غياب - وانحسرت - إلى حد ما - دعاوي التشويه الأيديولوجي لتاريخ العلم، وتنامى الاهتمام الأكاديمي به في العالم أجمع، وتجري الآن محاولات منهجية دءوبة لتتبع كل مراحله وصلت إلى الأصول الأنثربولوجية للعلم - كما أشرنا - مع اهتمام خاص بتاريخ العلوم عند العرب، للعوامل المذكورة فيما سبق. •••
في هذا الإطار تجتمع البحوث الأربعة التي تشكل متن الكتاب على الرغم من أنها أجريت في أزمنة متفاوتة. المبحث الأول: عن أديلارد الباثي ومدارس الرياضيات في قرطبة، يحاول أن يلقي ضوءا على معبر من معابر انتقال العلم العربي إلى العلم الحديث في أوروبا. لم يوضع في المبتدأ كمصادرة على المطلوب، لكن لأن الرياضيات لها منزلتها المنطقية المعروفة التي تجعلها مسبقة وفوق كل المباحث الإخبارية، فضلا عن أن البحث يحوي بين طياته خطوطا عامة لمنهجية تأريخ العلوم من منظور مستقبلي، ولأن تاريخ العلم يجري عبر تفاعله مع البنيات الحضارية والمعرفية كما ذكرنا، كان البحث التالي عن الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في تراثنا، على اعتبار أن هذا هو القاعدة المعرفية التي انطلقت منها العلوم عند العرب. حاول البحث أن يلقي ضوءا على عوامل تدفقها في العصر الوسيط، وأيضا لماذا انحسرت وتوقفت ولم تواصل النماء والسيرورة في العصر الحديث؟ وكان لا بد من لقاء حي مع علمائنا القدامى، وتخيرنا اثنين: جابر والبيروني، لا جدال في تصدرهما العلم في عصرهما، وكلاهما تمثيل للطابع العالمي للعلم وحوار الحضارات وتفاعلها في رسم فصوله، جابر بن حيان في القرن الثاني الهجري بعقليته التي تداخلت فيها العناصر الإغريقية مع السكندرية والغنوصية والهرمسية والحرانية والإسلامية ...
وفي هذا الإطار كان ما أسداه للكيمياء وللمباحث الإمبيريقية، وأيضا كانت الهند رافدا دافقا غذت عقلية البيروني العلمية المكينة وليس اليونان فقط، لكن بقدر ما كانت عقلية جابر مشربكة بعناصر لا علمية، كانت عقلية العلم الثاني البيروني علمية على الأصالة، بحيث إن الرحلة بينهما تمثيلا للطابع التقدمي للعلم
1
منذ البدايات الغير هينة للعلم العربي مع جابر وحتى البيروني الذي أتى في قمة العصر الذهبي للحضارة الإسلامية «القرن الرابع الهجري» ليمثل أعلى مد للعقلية العلمية بلغته الحضارة الإسلامية، بل إذا قارناه بأبي الفلك الحديث يوهانس كبلر لبدا البيروني أكثر علمية وعقلانية ورصانة منطقية، بصرف النظر عن المحتوى المعرفي لنظريات كليهما، والتي لا بد وأن تكون في صالح كبلر طبعا. لعل المقارنة الشهيرة بين كبلر وجاليليو، من حيث إن الأول مدفوع بنزعات الصوفية وعبادة الشمس وما إليه، بينما الثاني علمي وعقلاني على الإصالة، سوف تطرح بين جابر والبيروني. لقد بدا لنا البيروني ظاهرة فريدة في علم العصور الوسطى، وأن قول إدوارد ساخاو بأنه أعظم عقلية عرفها التاريخ لم يكن عشوائيا، فاهتممنا به اهتماما خاصا لنرجو اسمه الجليل مسك الختام لهذا العمل المتواضع، ونسأل الله أن نتمكن من استئنافه بأبحاث تالية تتناول زوايا أخرى من هذا العالم الثري الزاخر - تاريخ العلوم عند العرب، وكيف يعيننا في تفهم ظاهرة العلم الحديث.
وبالله قصد السبيل.
المبحث الأول
| أديلارد الباثي ومدارس الرياضيات في قرطبة1
انتقال الرياضيات من بغداد إلى العلم الحديث
أعرق المدن الثقافية آنذاك بغداد وقرطبة.
J. G. Crowther ...
لعل أهم العوامل التي أدت إلى تعملق العلم الحديث، وتميزه عن العلم القديم، إنما هي تسلحه باللغة الرياضية، وكانت إنجلترا على الخصوص - موطن أديلارد الباثي - هي التي شهدت ذروة الفيزياء الكلاسيكية الرياضية، وذلك بنظرية نيوتن التي بلغ العلم معها غاية النضج المهيأ للنماء والتوالد.