تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

74

في هذه الدوائر المتداخلة نذكر أيضا آخر أعمال البيروني، الذي كتبه في أخريات العقد الثامن من عمره، فجاء مشبعا بخبرة السنين، وهو متعلق بشكل ما بالإنسان في مبحث إخباري قد يعوز المنهج التجريبي، لكنه شمل أيضا جهدا تأريخيا «تاريخ علم العقاقير» - الفار ماكولوجي - إنه كتاب البيروني «الصيدنة» أو «الصيدلة في الطب».

75

وقيل إن الصيدلة أفضل من الصيدنة؛ لأن الصيدلي باللام هو مزاول الأدوية، أما الصيدني بالنون فهو مزاول العطور، والصيدلي عند البيروني - كما يقول في مقدمة الكتاب - هو المحترف جمع الأدوية على أحمد صورها، واختيار الأجود من أنواعها مفردة ومركبة على أفضل التراكيب التي خلدها مبرزو أهل الطب.

76

وهكذا استقصى البيروني في هذا الكتاب - كما يقول ابن أبي أصيبعة - معرفة ماهيات الأدوية ومعرفة أسمائها واختلاف آراء المتقدمين، وما تكلم كل واحد من الأطباء وغيرهم فيه، وقد رتبه على حروف المعجم.

77

لقد استقصى البيروني في هذا الكتاب «تراث العرب» بالمفهوم الحضاري الشامل للعلم العربي المستوعب لكل الدوائر الحضارية التي دخلت في الإسلام، وهو مفهوم يصدق عليه البيروني قبل سواه - كما رأينا في دفاعه عن العروبة - وتراث العرب ذو شأن في تاريخ علم العقاقير.

78

فمن ناحية ثمة البيئة الطبيعية للمنطقة التي تجعلها غنية بالأعشاب الطبيعية الطبية، ومن الناحية الأخرى - والأهم - ثمة النهضة الثقافية العظيمة والتطور الاجتماعي والعلمي مما جعل العرب وخصوصا الرازي بكتابه «الحاوي» يبدعون كثيرا من تراكيب الأدوية

79

ها هنا يبدو مجددا تأثر البيروني به، وقبيل أوبتنا إلى البيروني نذكر ما تجمع عليه مراجع تاريخ العقاقير وعلوم الأدوية من أن الصيدلية كمؤسسة قائمة بذاتها ظهرت لأول مرة في بغداد.

80

وبقيت الإشارة إلى أن البيروني في هذا الكتاب اعتبر الصيدلة صناعة منفصلة عن صناعة الطب. إنها آلته، وانفصالها عنه كانفصال المنطق - آلة الفلسفة - عنها، وانفصال العروض - آلة الشعر - عنه.

81

إنها المنهجية المتمكنة من عقلية البيروني.

تاسعا: إنها الرياضيات والهيئة

والآن لا ينبغي أن تدهشنا كل هذه المنهجية المتجذرة في حنايا إنتاج البيروني فالأمر ببساطة - كما قال ساخاو - أنه درس كل تلك المواضيع بعقل دربته الرياضيات التي تظل دائما - في كل عصر ومصر - أرقى أشكال التفكير المنطقي الممنهج.

إن البيروني - كما صدرنا الحديث، أولا وقبل كل شيء - عالم رياضيات وفلك وها هنا مجمر عبقريته الحقيقية، وبخلاف دراساته التاريخية والحضارية التي تهم المعنيين بالمباحث الإنسانية، عادة ما يذكر البيروني في تاريخ العلم بوصفه عالما رياضيا، ويكاد يتفق مؤرخو الرياضيات على أنه «ألمع العقول الرياضية التي تصادفنا في مفتتح القرن الحادي عشر، فضلا عن أن تاريخ الرياضيات يدين للبيروني، بأفضل موجز للرياضيات الهندية ظفر به ذلك العصر.»

82

ودور الرياضيات الهندية في إهداء البشرية رموز الأرقام أجل من أن يذكر أو ينسى.

ولئن بلغت أعمال البيروني في الرياضيات نحو أربعة وعشرين عملا، فإنه ترجم أيضا كتابين من تأليف الفلكي الهندي «فاراهميرا» الذي عاش في القرن السادس الميلادي، ويمكن اعتباره أهم الفلكيين في هذا القرن، وتحتوي ترجمة البيروني على ملخص بارع لحساب المثلثات الهندي المبكر وجدول لجيوب الزاوية يبدو أنه مأخوذ من جدول بطليموس لأوتار الدائرة.

83

وهاهنا يبدو مجددا تلاقي الشرق والغرب تأكيدا لعالمية العلم. تفنيدا لخرافة المصدر الإغريقي الواحد والوحيد. أما عن الأرقام الهندية - أساس الأرقام العربية - التي أصبحت - فيما بعد - عالمية ففي رسالة البيروني «تذكرة في الحساب والعد بأرقام السند والهند» شرح واف لها ولأصولها. أما في رسالته «راشيكات الهند» فيبحث في أن النسبة فيما بين المقادير المتجانسة وهي صورة من صور الإضافات تحصل لها من جهة الكمية، فيعرف بهما أحدهما من الآخر إن كان غير معلوم.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٣٩