تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

84

إن النسبة والتناسب وحساب المتناهي إجمالا اكتملت على يدي البيروني كمحصلة لمزاوجته المثمرة بين التراث الهندي والتراث الإغريقي بالإضافة إلى عبقريته.

أما أهم أعماله في الهندسة فهي «استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها» ورد في رسائل البيروني (المذكورة في الهامش السابق 84). كما حققه ساوتر عام 1910م، ثم أخرج عالم الرياضيات د. أحمد سعيد الدمرداش تحقيقا مثبتا وجيدا له عام 1965م، ويتلخص هذا العمل في شروح وإثباتات بطرق مختلفة لأربع نظريات، ناتجة عن خواص الخط المنحني؛ أي المنكسر داخل الدائرة؛ أي على قوس منها، ويبحث البيروني - كما يقول: «في انقسام الخط المنحني في كل قوس بالعمود النازل عليه من منتصفها.»

85

ثم يتعرض بعد هذا لعدة مسائل رياضية وفلكية من قبيل برهان مساحة المثلث بدلالة أضلاعه، وبرهان مساحة الشكل الرباعي المرسوم داخل الدائرة، ثم سرد بعض الدعاوي الفلكية مبرهنا عليها باستغلال النظريات الأربع المذكورة، ثم تعرض لتقدير أطوال أوتار الدائرة

86 ...

لقد أنجز البيروني الكثير من البراهين الرياضية، وبفضلها استقام جذع أبحاثه الفلكية والجيوفيزيقية، ليزداد اقترابا من المنهج العلمي الحديث الذي دأب على خطب ود الرياضيات، ومن أشهر إنجازاته في هذا الصدد «قاعدة البيروني» وهي معادلة رياضية تستخدم في حساب نصف قطر الدائرة من التعرف على محيطها، وبواسطتها توصل البيروني إلى قياس محيط الأرض عن طريق قياس درجة انحراف الأفق عند جبل قائم، ونلاحظ أن البيروني أخذ باستدارة الأرض التي كانت مثبتة في تعاليم الفلكي الهندي فاراهميرا، وتبعه فيها معظم الفلكيين الهنود وفلكيي عصر النهضة

87

على أية حال ما زالت طريقة حساب نصف قطر الأرض تسمى إلى الآن «بقاعدة البيروني»، ويعتبر المستشرق الإيطالي كارلو ألفونسو نللينو في كتابه «علم الفلك وتاريخه عند العرب» قاعدة البيروني من أهم إنجازات العلم العربي.

وفي هذا الإطار المتماوه بين الرياضيات والفلك، نذكر أن مبحث الضوء والبصريات - أو علم المناظر - حظي برصيد وافر من العلماء العرب، وكما يقول «برنال»: «لو لم يضف العرب غير ما أضافوه في مجال البصريات لكانت الخطوة التي خطوها بالعلم حاسمة لا شبهة فيها.»

88

وليست الجهود حكرا على قطب المناظر الأكبر الحسن بن الهيثم، هنالك رجالات آخرون أسهموا في هذا المبحث المنهجي حقا، منهم عالمنا البيروني الذي عرج على الضوء وانكساراته ومشاكل علم البصريات أو كيفية الحال في «المخروط الكائن بين البصر والمبصر» في رسالته «إفراد المقال في أمر الظلال»،

89

وحاول الخروج بنظريات علمية كانت دقيقة في الحدود التي يسمح بها عصره ومجديه في الاستدلال على أوقات النهار من الظل، وإثبات أنواع الظلال في الأسطرلاب وفي نقل أنواع الظلال بعضها إلى بعض، ويتصل بهذا رسالته الهامة «الاستيعاب للوجوه الممكنة في صناعة الأسطرلاب».

وما دمنا قد اتفقنا على أن العلم عند البيروني يصب في نهر الحضارة الإسلامية من أجل قيمها وأهدافها، نتفهم لماذا تتبدى منهجية البيروني بوجه خاص في حساب المثلثات. فقد اهتم به الإسلاميون؛ لأنه ضروري لحساب مواقيت الصلاة، كما أنه أساس علم الفلك الذي هو اهتمام البيروني الرئيسي، فقد عني بالأرصاد الفلكية على اختلاف أنواعها، والتي تعتمد على معرفة الجهات الأصلية الأربع، وذلك - كما أشرنا - من أجل تحديد أوقات وتعيين اتجاهات أماكن العبادة، ووضع جداول للتقاويم وحساب أوائل السنين والشهور.

ومن مؤلفات البيروني نجد «الأزمنة والأوقات» و«تحقيق منازل القمر» بخلاف أبحاث أخرى للبيروني في هذا الصدد مودعة في كتاب باسم الرسائل المتفرقة في الهيئة، قامت بطبعه دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند سنة (1368ه/1948م) ويشتمل الكتاب على إحدى عشرة رسالة هي: «استخراج تاريخ اليهود» للخوارزمي، «تخطيط الساعات» للنيريزي، «استخراج تاريخ اليهود» للقايني، «استخراج الساعات» للقايني، «إقامة البرهان على الدائرة» للبوزجاني، «مساحة الجسم المكافئ» لويجن القوهي، «كيفية تسطيح الكرة لأحمد الصاغاني»، «أشكال الدائرة» لنصر بن عبد الله، «المقادير المشتركة» للبغدادي، «شكل القطاع» لأحمد السجزي، «الأبعاد والأجرام» للبيروني.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٤٠