تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أشرنا فيما سبق لقدرة البيروني على تأليف عظيم بين تراث الحضارات المختلفة العبرانيين والنصارى، المسلمين، اليونان والمغاربة، الفرس والهنود ... ولأن البيروني ممثل لمسار التقدم العلمي في عصره، فليست قصة العلم إذن خطا مستقيما من اليونان إلى غرب أوروبا، بل هي ميراث أمم شتى. طبعا كان البيروني عميق الاستيعاب لتراث الإغريق، ولكن ما يؤكد عالمية العلم أن الهند التي كانت فاتحة اتصال العرب بالرياضيات والفلك منذ القرن الثاني الهجري، كانت أيضا الرافد الدافق الذي ساهم بقوة في تشكيل عقلية البيروني، فقد مكث فيها سنينا طويلة مصاحبا للسلطان مسعود الغزنوي، وكان على خلاف أبيه محمود الغزنوي الذي أسر العلماء، ومن بينهم البيروني - كما ذكرنا - ولما توفي محمود وتولى ابنه مسعود دعم حكم الإسلام للهند، ودأب مسعود على تكريم وتقريب العلماء عموما، والبيروني خصوصا، فاصطحبه ثلاث عشرة مرة في فتوحاته السبعة عشر للهند. فعمل البيروني طوال هذا على نقل علوم الإسلام والإغريق للهند، وإتقان لغة الهنود السنسكريتية واستيعاب العلوم الهندية ونقل صورة علمية دقيقة عن الهند للمسلمين، في مؤلفات متعددة.

درة حصائل هذا كتابه المذكور «تحقيق ما للهند من مقولة» فقد تعمق في وصف الهند، ليس فقط أرضها ومناخها ومعالمها الجغرافية، بل شمل بالدراسة عادات الهنود وأديانهم - خصوصا عقيدة التناسخ - وشرائعهم وأساطيرهم، ونظام الطبقات الاجتماعية وأزياءهم وأخلاقهم وأنشطتهم الاقتصادية، أنواع الخط وطرق الكتابة والنحو والشعر، الأدب والفنون والحساب والعلوم، ثم علم الفلك عند الهنود والزيج والتقاويم والتنجيم ... فيشبه أحمد أمين هذا بجهود جمعية العلماء الفرنسيين الذين صاحبوا حملة نابليون وأخرجوا موسوعة وصف مصر، على أن البيروني - بتعبير أحمد أمين - كان جمعية وحده. أما مؤرخ العلم المتميز ج. برنال فيشير إلى أن منهج البيروني الاستقصائي في هذه الدراسة لم يبار إلا في القرن التاسع عشر.

71

وحتى الآن ما زال هذا الكتاب خير المراجع بشأن الهند القديمة.

وبخلاف هذا، ثمة مترجمات أيضا عن السنسكريتية قام بها. يقول البيروني: «نقلت إلى العرب كتابين؛ أحدهما في المبادئ وصفة الموجودات واسمه «سنك»، والآخر في تخليص النفس من رباط البدن ويعرف ب «باتانجل»، وفيها أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم، به فروع شرائعهم.»

72

الأول مفقود، لكن الثاني «باتانجل» - الذي حققه المستشرق ريتر - يحمل خلاصة مذهب اليوجا وفلسفة الهند الصوفية.

ومن ناحية أخرى نقل البيروني إلى اللغة السنسكريتية أعمالا أهمها المجسطي لبطليموس، وإن كانت هذه الترجمة المثبتة في عداد أعماله المفقودة.

73

هكذا كان البيروني بؤرة استقطاب لخطوط العلم المختلفة يأخذ ويعطي في أكثر من اتجاه تأكيدا لعالمية العلم.

ومثلما تكاملت دراسة البيروني العلمية للتاريخ والحضارة منهجيا بالجانب السلبي والجانب الإيجابي، فإنها تكاملت أيضا موضوعيا، وذلك لعنايته بالعلوم التجريبية المساعدة، فليس ينفصل عن التاريخ اهتمام البيروني بالجغرافيا وطرق رسم الخرائط وتحديد المسافات بين البلدان، ودفعه هذا إلى الاهتمام بالجيولوجيا والتكوين الطبقي للصخور والأنهار، وذلك في كتابه «تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن»، ورسالتيه «تصحيح خطوط الطول والعرض لساكن المعمور من الأرض» و «أطوال البلاد وعرضها»، حيث نجد نظريات رائدة عن حدوث التطورات الأرضية البطيئة، وما ينتج عنها من انتقال للعمران من موضع إلى آخر. تكلم أيضا عن الثورات الجيولوجية التي كانت تنتاب القشرة الأرضية وما كانت تحدثه فيها من التواءات وارتفاعات وانخفاضات، مما أدى إلى تكون سلاسل من الجبال، ومساحات المياه التي تنحسر وتتحول إلى يابسة «فهذه بادية العرب كانت بحرا، فانكبس حتى إن أثر ذلك ظاهر عند حفر الآبار والحياض.» ويجمل بنا الآن أن نعود مجددا إلى المنهج التجريبي، فمن هذه الإشارة البسيطة للبيروني يتضح كيف تآزر الفرض العقلي والاستنباط مع المشاهدة الحسية.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٣٨