تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

65

وكان هذا من العوامل التي جعلت إنتاجه العلمي مؤشرا شديد الدلالة على تقدم وسيرورة البحث العلمي في عصره.

وما ذكرناه آنفا من تأكيد البيروني على ضرورة الرجوع للمراجع والتسلح بالمعرفة يبرز ها هنا مجددا؛ إذ نراه يهيب بالمؤرخين أن يتقنوا العلوم المساعدة للبحث التاريخي، وهي اللغة والأدب ثم حساب التقاويم الذي برع فيه البيروني والجغرافيا والجيولوجيا، مع الإلمام بالمنطق والفلسفة والقانون أو الشريعة والشرائع، ويبدو البيروني في دعوته هذه متأثرا بموسوعية عصره.

كما تناول أبو الريحان مشكلة منهجية معينة خاصة بالبحث التاريخي، هي مشكلة جمع المادة التاريخية وما يكتنفها من صعاب وما تحتاجه من جهد جهيد، وعمل على إيضاح معايير صحتها وسبل الاستدلال السليم منها والتثبت من خلوها من التناقض، وفي هذا يؤكد تأكيدا مكثفا - مرة أخرى - على ضرورة الالتزام التام بالموضوعية في تدوين التاريخ.

66

بهذه الأسس المنهجية تمت علمنة التاريخ، وتأكدت في مقدمة ابن خلدون بعد هذا بثلاثة قرون، فأصبح التاريخ علما - قبل رانكة وهورنشيو وسواهما - لكنه علم نقد وتحقيق، وليس علم تجريب.

إذن الوعي المنهجي الناضج عند البيروني يتبين تنوع مناهج المعرفة تبعا لاختلاف المجالات، ويردف هذا بالجهود الرصينة حول المنهج الخاص بكل مبحث، فضلا عن تطبيقه المتدفق لهذه المناهج المضمرة في أبحاثه، وقبل أن ننتقل لتطبيقات مناهجه التاريخية نتوقف مليا عند وعي البيروني الباكر بتعدد المناهج لنقارن هذا بتطور المباحث التاريخية في القرن التاسع عشر على خطوط مستقاة من تطور العلوم الطبيعية، واصل هذا الاتجاه نماءه حتى بلغ طريقا مسدودا، انعكس في التخلف النسبي للعلوم الإنسانية بسبب إغفال الفوارق بين الظاهرة الإنسانية التاريخية والظاهرة الطبيعية، وهنا تبرز الأمة الألمانية مجددا مع مدرسة فيلهلم فندلباند

W. Windelband (1848-1915) وهنريش ريخرت

H. Richert (1863-1936) اللذين تأثرا بصياغة دلتاي (1838-1911) للإشكالية.

67

وبفضل هذه المدرسة كف التاريخ عن محاكاة الفيزياء، وانفصل البحث التاريخي عن البحث الطبيعي، وتعد محاضرة ريخرت الشهيرة عام 1894 علم الحضارة وعلم الطبيعة

Kulturwissenschaft und Naturwissenschaft

68

من المعالم البارزة في هذا المنحى للدراسات التاريخية.

ثامنا: منهاج وتطبيق

نعود إلى البيروني والأسس المنهجية التي أرساها لعلم التاريخ ... الحاسة النقدية ... القدرة على الرؤية الشمولية، الاحتكام المتكرر للتعقيل والعقلانية ... هذه الأسس والأبعاد المنهجية انعكست متجلية في تأريخات البيروني ومباحثه الحضارية، فتجاوز مجال التاريخ وكان أيضا في طليعة الأنثربولوجيين ودارسي الحضارات ومؤسسي علم الأديان المقارن.

هذا العلم الأخير تضيق به ذرعا، بل توصد في وجهه أبواب البيئات الحضارية المغلقة والمتزمتة؛ لأنه قد يفتح بابا لأنسنة التجربة الدينية، وبالتالي التجديف والهرطقة. هذا على الرغم من الرؤى الكشفية العميقة التي يتيحها هذا المبحث بشأن تطور الوعي وأصول التجربة الدينية، إن التزم الحدود العلمية والموضوعية، ومما يعطي مؤشرا بالغ الدلالة على مدى تفتح وازدهار وتسامح البيئة الحضارية الإسلامية هي أنها أفسحت المجال لعلم الأديان المقارن. فقد أشار ابن المسعودي إلى شغف أبي بكر الرازي بطبائع البشر في ماضيهم وحاضرهم والتحري عن معتقداتهم ومذاهبهم،

69

لنتذكر إصرارنا على تأثر البيروني به، ثمة أيضا ابن حزم الأندلسي وكتاب عبد الكريم الشهرستاني. «الملل والنحل» ذائع الصيت.

ولكن كتاب البيروني «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة»

70

ذو مكانة فريدة تجعل البيروني بحق مؤسس علم الأديان المقارن، حتى يندهش «إدوارد ساخاو» من كل تلك الموضوعية التي يتحلى بها عالم مسلم وهو يبحث في العقائد الوثنية وتاريخها، خصوصا وأن هذا الكتاب يسبق كتاب الشهرستاني، ثم إنه لا يقتصر على الملل والنحل، فهو دراسة منهجية فذة بقدر ما هي شاملة.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٣٧