كما كان البيروني يدعو إلى ضرورة المواظبة على ممارسة البحث العلمي بغير كلل ولا ملل، لكي نصل إلى ما يمكن أن نسميه - بالتعبير المعاصر - العمل على رفع احتمالية النظرية، ويؤكد البيروني على هذا بحثه العلماء على التشكك في نتائجهم المرة تلو المرة، حتى يرفعونها إلى أعلى درجة ممكنة من الدقة واليقين.
سابعا: المنهج العلمي في التأريخ
وهذا النابغة الذي جعلته روحه العلمية الأصيلة ميثودولوجيا ذا اعتبار، قد تنبه إلى أن علم التاريخ ذو طبيعة مختلفة عن طبيعة العلوم التجريبية؛ لذا فالمنهج السالف لا يصلح له.
ومن ثم انشغل البيروني بمشكلة المنهج الخاص بعلم التاريخ، فتصدر الطليعة من المفكرين المنهجيين المعنيين بعلمنة هذا المبحث، أو من مؤسسي علم التاريخ. لقد ظل التاريخ أمدا طويلا فنا لا علما، أقاصيص وحكايات شيقة، معقولة أو لا معقولة، واقعية أو يمتزج بها الخيال، على الإجمال تنتسب إلى فنون الأدب أكثر مما تنتمي للدراسات المنهجية أو المباحث العلمية، وكدأب الباحثين الأوروبيين في الزعم بأن الغرب هو فاعل كل فعل حضاري، ورائد كل إنجاز عقلاني، راحوا يدعون أن علمنة التاريخ - خصوصا من حيث المنظور النقدي الساعي إلى تمحيص الحقائق - تمت فقط على أيديهم،
58
وبالتحديد في القرن التاسع عشر مع رانكة
Ranke (1795-1886) الذي ظل أستاذا للتاريخ بجامعة برلين خمسين عاما. ففي كتابه «التاريخ الألماني في عصر الإصلاح» الذي أنجزه فيما بين عامي (1839-1847)
59
تبلورت منهاجية التعامل النقدي مع الرواية التاريخية الذي بلغ حد الهجوم عليها، بمعنى تمحيصها بدقة ليسفر البحث التاريخي عن معرفة كنهها الحقيقي، وكيف كانت بالفعل
Wie es eigentlich gewesen .
60
ولكن قبل رانكة بثمانية قرون، عالج البيروني منهاج التأريخ من جانبين الأول سلبي والثاني إيجابي - كما أوضح الباحث د. عادل محيي شهاب.
61
الجانب السلبي من المنهج التاريخي عند البيروني يحمل خطوط نظرية رانكة المذكورة، فهو منهج نقدي ساع إلى تطهير الروايات التاريخية من الأساطير والخرافات التي تلحق بها، وذلك بأن نرفضها لزيفها الظاهر، ونرفض الروايات غير الصحيحة، كي نستبدل بها الصحيح، وبسبب من شريعة التحكيم النقدي العقلاني هذه رفض البيروني تماما - على خلاف جمهرة مؤرخي الإسلام - أي حديث عن بدء الخلق والقرون المبكرة؛ لاختلاط هذه الأحاديث بالخزعبلات. فهو يرفض أصلا التسليم بأي خبر إلا بعد التأكد من صحته عن طريق المشاهدة أو العيان، أو التثبت من الصدق التاريخي - أي من مطابقة الخبر للوقائع - وهذا يتم بالاعتماد على العقل وحده، أو التسلح بمنهج المقارنة بين الأخبار لإثبات الأصلح
62
ولهذه المنهجية النقدية المحكمة أجمع الباحثون على أن البيروني ناقد تاريخي ممتاز.
أما الجانب الثاني من المنهج التاريخي - الجانب الإيجابي - فهو يضع أسس البحث التاريخي من حيث تحديد المواصفات التي يجب أن تتوافر في المؤرخ، وفضلا عن استيفاء الحاسة النقدية، نجد هذه المواصفات هي: الثقافة الشاملة والأمانة والنزاهة وعدم التحيز، والصبر والجلد والشجاعة، فلا يخاف في قولة الحق لومة لائم، ثم الموضوعية، وهي أهم الصفات قاطبة؛ لأن الوقوع في براثن الذاتية من تعصب وميل وهوى ومصالح شخصية هي أخطر آفات البحث العلمي عامة والتاريخي خاصة.
63
رائع هو البيروني، حين يحذر تحذيرا شديد اللهجة من التعصب، وعرقلته لأصوليات البحث العلمي والعقلاني، لا سيما في المباحث الإنسانية فيقول: «إن العصبية تعمي الأعين البواصر وتصم الآذان السوامع، وتدعو إلى ارتكاب ما لا تسامح باعتقاده العقول.»
64
وكانت عقلية البيروني نفسه - كما رأينا - أقوى تمثيل للبعد عن التعصب كقيمة منهجية وشريعة علمية، فانفتح على تراث الحضارات الأخرى واستطاع أن يقوم «بتركيب عظيم لعلوم الحضارات السابقة على الإسلام وتطويرها في خطوط الروح الإسلامية.»