49
وكثيرا ما يقول: «لم تسكن نفسي إلى غير المشاهدة.»
50
ويأنف ممن يخوضون في هذه المجالات بغير تجريب، فيرفض رأيا في الفلزات قائلا باستنكار: «إنه كلام من ليس له بصر بمزاولة الفلزات وصنعة الأشخاص العظام.»
51
فلا قائله زاول - أي مارس وجرب - ولا هو ذو علم بتجارب الرواد العظماء في مجال الفلزات، بالمثل اختتم كتابه عن الأسطرلاب، بقول يكرره، وهو إلى التجربة يلتجأ في مثل هذه الأشياء، وعلى الامتحان فيها يعول، ما التوفيق إلا من الله العزيز الحكيم.
ولئن كانت التجريبية كمنهاج علمي هي الالتجاء المنظم لخبرة الحواس، خصوصا البصر والسمع، في إطار التآزر والتفاعل بين العقل والحواس، فليس جزافا أن يستهل البيروني كتابه العلمي الأصيل (الجماهر ...) بأن الله أنعم على مخلوقاته بالحواس التي تنقل معطيات العالم الخارجي - عبر الهواء بتعبيره - ولكن نوع الإنسان قد فضل على الحيوان بأن زيد على الحواس بما شرف من قوة العقل، ثم يقول البيروني: «أفرد من حواسه اثنتان هما السمع والبصر، فجعلتا مراقي من المحسوسات إلى المعقولات.»
52
وبإدراك نافذ لفعاليات العقل المنهجية يستأنف البيروني قائلا: «إن كان الإنسان تصرف فيها بأفكاره واستنباطاته حتى بلغ بمحسوساتها إلى أقصى غاياتها.»
53
إننا إذن بإزاء الإرهاص التاريخي للصياغة المعاصرة للمنهج التجريبي العلمي فيما يعرف بالمنهج الفرضي الاستنباطي الذي يقوم على وضع الفرض العلمي، ثم استنباط القضايا الجزئية منه لمواجهتها بوقائع التجريب؛ أي لاختبار الفرض إمبيريقيا، حوار الفرض والإمبيريقيات هما صلب المنهج العلمي التجريبي.
وتتبدى أمامنا إمبيريقية البيروني، وهو يحدد الثقل النوعي - أي الكثافة - لثمانية عشر عنصرا ومركبا، بعضها من الأحجار الكريمة، وقد أورد ألدو ميلي
Aldo Mielle
في كتابه الشهير - المترجم إلى العربية - «العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي» قائمة وضعها
E. Wiedemann
تقارن قيم الكثافة التي وصل إليها البيروني بالتقديرات الحديثة، لتوضح كيف كانت الفوارق طفيفة للغاية،
54
أجرى البيروني تجاربه تبعا لقاعدة «أرخميدس»، بتعبيره، واصطنع وعاء مخروطيا مصبه متجه إلى أسفل في اتجاه قنينة لتجمع الماء الساقط من الوعاء المخروطي، ثم يزن البيروني الجسم بعناية، ويضعه في الوعاء، ثم يزن الماء الذي أزاحه الجسم وتساقط في القنينة، وبالعلاقة بين الوزنين يخرج بالثقل النوعي أو الكثافة المطلوبة، وهذه الفكرة على بساطتها يراها كاجوري في كتابه «تاريخ علم الطبيعة» من خطى التقدم في التجريب المعملي.
55
وفي هذا الصدد نذكر أيضا محاولات البيروني الإمبريقية لوضع توصيفات وتفسيرات علمية لكيفية صعود مياه النافورات والفورات والعيون إلى أعلى، وبحث أثر الخلاء والظواهر التي تتعلق بحركة السوائل وتوازنها مهيبا بمن: «يزاولون العلوم الطبيعية» أن يأخذوا «بالأسباب الطبيعية».
56
أما عن الفرض العلمي فلنذكر كيف أكد بوبر أنه ليس ثمة طريق ملكي مضمون للنجاح والإنجاز في العلم؛ لأن الفرض العلمي إبداع يأتي من إلهام العبقرية العلمية، حين يقدح العالم زنادها مستعينا بالحصيلة المعرفية السابقة، إن الفرض وحي وإلهام خطر برأس العالم، سوف يختبر تجريبيا ليقبل أو يرفض، لكن الطريق إلى الفرض ليس له قواعد ميثودولوجية ربما يفهمه علم نفس الإبداع، لا المنطق.
57
هذه القاعدة الميثودولوجية/السيكولوجية المقرة بضرورة عنصر الإلهام الذي لا نعرف له سبيلا منطقيا محددا، سبق أن تراءت ظلالها للبيروني منذ عشرة قرون، وحاول التعبير عنها.
لكن تعبير البيروني جاء مشبعا بعبق الإيمان الذي استقاه من نشأته تحت ظلال الحضارة الإسلامية؛ إذ يقول: «إن النجاح والتوفيق موهبة من عند الله .» وأردف مؤكدا على ضرورة الرجوع إلى المراجع العلمية السابقة، حتى إن تطلب هذا إتقان اللغات الأخرى، تماما كما أكد بوبر على ضرورة الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة، وضرورة أن يستفيد الباحث من جهود سابقيه، كي يمثل إضافة حقيقية بدلا من أن يهدر جهوده في محاولة شق طريق كان قد قطع، فالسمة الأساسية للبحث العلمي أنه نشاط جمعي متصل.