بادئ ذي بدء يجري البيروني على ديدنه المنهجي، ويبدأ بصياغة المشكلة المطروحة للبحث بوضوح، فيقول: «نريد الآن أن نخوض في تعديد الجواهر والأعلاق النفيسة المذخورة في الخزائن، ونفرد لها مقالة، تتلوها ثانية في أثمان المثمنات وما يجانسها من الفلزات، فكلاهما رضيعا لبان في بطن الأم، وفرسا رهان في الزينة والنفع.»
38
وبهذا التساوق التام بين الجواهر والفلزات لن تزيد عن كونها جوامد/موجودات جيولوجية تخلقت في القشرة الأرضية - بطن الأم - ثم كان فيها منافع للإنسان.
فينقسم متن الكتاب - بعد تمهيد ذي طابع أدبي - إلى مقالتين: الأولى: في الجواهر، والثانية: في الفلزات.
39
في الجواهر بحث البيروني الياقوت وأشباه اليواقيت منها اللعل والبيجاذي والماس، والسنباذج الذي يعاون الماس في الصلابة والحك والجلاء.
40
واللؤلؤ والمرجان، والزمرد وأصنافه ، والفيروز، والعقيق، والجزع، البلور والبسد، اللازورد، الجمست، الدهنج، اليشم ...
وينتهي إلى ذكر الكهربا والمغناطيس ... وأنواع أخرى من الأحجار نصف الكريمة حتى يتطرق إلى الأنواع الجيدة من الخرز ويختتم الحديث بالبرد والزجاج والمينا.
أما عن الفلزات فقد استهلها بالزئبق،
41
ثم الذهب والفضة والحديد والأسرب ... وتحدث عن المركبات أو «الشبه المعمولات والممزوجات بالصنعة»
42
والشبه نحاس أصفر بإطعام التوتيا المدبر بالحلاوات وغيرها حتى أشبه بالذهب، ويستفيض في ذكر أساليب تجريبية دقيقة،
43
وينهي الفلزات بالأسفيروري والبتروي والطاليقون
44 ... وبالكتاب ملحق لتبيان مناجم الجواهر والفلزات ... وهكذا في مجال خصيب للخرافة، نجد بحثا مهما كانت درجة قصوره المعلوماتي أو ضآلة رصيده المعرفي بحكم زمانه، فإنه لا يوسم إلا بالسمة العقلانية العلمية كمنهاجية تحتذى.
ومما يؤكدها أكثر، أن العنوان الوحيد اللامعقول في الكتاب هو «الحجر الجالب للمطر».
45
ذكره أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في كتابه «الخواص» وهو حجر بأرض الترك، من شأن تحريكه أن ينزل المطر الدافق، وينقل البيروني تفاصيل ذلك عن ابن زكريا الرازي، معقبا بقوله: «وليس ابن زكريا يختص بهذه الحكاية، إنما هي كالشيء الذي لا يختلف فيه.»
46
ولكن العقلانية العلمية التجريبية المتمكنة من عقل البيروني تجعله ما يذكر هذا إلا ليستنكره أشد الاستنكار، ويدحضه بسلاح المنهج العلمي: العقل والتجريب. فيقول: «إن أحد الأتراك حمل إليه شيئا من هذا الحجر، ظن أني أتبجج بها أو أقبلها ولا أناقش فيها، فقلت له: «جئني بها مطر في غير أوانه أو في أوقات مختلفة بإرادتي، وإن كان في أوانه حتى آخذه منك وأوصلك إلى ما تؤمله مني وأزيد.» ففعل ما حكيت من غمس الأحجار في الماء ورمى نقيعها إلى السماء مع همهمة وصياح، ولم ينفذ له من المطر ولا قطر سوى الماء المرمي لما نزل، وأعجب من ذلك أن الحديث به يستفيض في طباع الخاصة فضلا عن العامة، منطبع يلاحون فيه من غير تحقق.»
47
هكذا يندهش البيروني من قبول الخاصة قبل العامة لقضية يرفضها المنطق وتدحضها التجربة، ولا غرو أن يخرج من هذا بقصر تفسير الظاهرة الطبيعية على العوامل الطبيعية. «فقلت لهم: النظر في هذا (أي في أسباب سقوط الأمطار) من أوضاع الجبال ومهاب الرياح وممار السحاب من عند البحار.»
48
إنها الخطوط الأولية التي تمثل صلب المنهج العلمي: الرفض المبدئي لما يناقض العقل، البحث عن التحقق، والتفكير المنطقي ثم الاحتكام إلى التجربة لدحض الرأي الفاسد، وأخيرا تفسير الظاهرة الطبيعية فقط بالعوامل الطبيعية، لقد تلاقت هذه الخطوط في مجال أثير للخرافة.
سادسا: والمنهج التجريبي يتقدم
غني عن الذكر إذن أن البيروني جعل التجريب من عمد البحث العلمي، ومارسه متحريا الضبط عن طريق الآلات الدقيقة قدر المستطاع آنذاك، فلو لم يفعل لما أصبح عالما طبيعيا مذكورا، فاهتم بتحري المشاهدة والاستقراء والرصد والتتبع، ورأى «أن العلم اليقيني لا يحصل إلا من إحساسات يؤلف بينها العقل علي نمط منطقي.»