تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واجتهد بوبر في تأكيد أن البداية المثمرة للبحث العلمي إنما هي بصياغة المشكلة المطروحة للبحث وتحديدها

32

وفي فاتحة كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» يقول البيروني:

سألني أحد الأدباء عن التواريخ التي تستعملها الأمم والاختلاف الواقع في الأصول التي هي مبادئها، والفروع التي هي شهورها وسنوها، والأسباب الداعية إلى أهلها إلى ذلك، وعن الأعياد المشهورة والأيام المذكورة للأوقات والأعمال، وغيرها مما يعمل عليه بعض الأمم دون بعض.

33

تلك هي المشكلة المطروحة للبحث، وبعد صياغتها بوضوح يطرح البيروني أسلوب تناولها أو منهاج بحثها عبر خطوط ثلاثة - أكدها بوبر وسواه من فلاسفة المنهج العلمي - وهي التعقيل والتجريب، ثم الحصيلة المعرفية التي تكفل تواصل الجهود والطابع الجمعي التراكمي للبحث العلمي. فبين البيروني: «أن الاستدلال بالمعقولات والقياس بما يشاهد من المحسوسات»

34 - وذلك أمر ضروري - لا يغني عن الاطلاع على كتب السابقين، وأصحاب الآراء وأهل الملل والنحل المستعملين لذلك و«تصيير ما هم فيه أسا يبنى عليه»

35

ونلاحظ أنه بالنسبة للمشكلة المطروحة للبحث فإن «ما هم فيه» رصيد معرفي سابق، ومن ناحية أخرى معطيات تجريبية عن موضوع البحث.

ثم يستأنف البيروني حديثه، ملما بقيم البحث المنهجي ونواميسه فيقول بشأن مسار البحث العلمي المقبل: «ثم قياس أقاويلهم وآرائهم في إثبات ذلك بعضها ببعض، بعد تنزيه النفس عن العوارض المردئة لأكثر الخلق والأسباب المعمية لصاحبها عن الحق، وهي كالعادة المألوفة والتعصب والتظافر واتباع الهوى والتغالب بالرئاسة، وأشباه ذلك.»

36

وبغير هذا الطريق لا يتأتى لنا نيل المطلوب ولو بعد العناء الشديد والجهد الجهيد بتعبيره، ثم يسرف في إيضاح الصعوبات التي تكبدها وهو يتحرى هذه القواعد المنهجية والجهود المضنية التي بذلها لتمحيص الأخبار المتضاربة ونفي الزائف منها.

فمن أجمل ما في البيروني أنه لم يقع في الهاوية التي وقع فيها ديكارت أو ابن خلدون مثلا، أولئك الذين تأتي مناهجهم في واد وأبحاثهم ذاتها في واد آخر. بل جاءت أبحاث البيروني خير تطبيق لمناهجه، فارتد هذا في قيمتها التي ساهمت في دفع حركة العلم إبان عصرها.

وقد وضع البيروني كتابه المذكور «الآثار الباقية عن القرون الخالية» في عام (390-391ه)، وهو في السابعة والعشرين من عمره ليحمل حماسة الشباب ورصانة العقلية المنهجية في آن واحد، وانصب موضوعه - كما أشرنا - على دراسة التقاويم عند الأمم القديمة، مركزا على قوانين بطليموس ومواصلا مساره، وكما أوضح مارتن بلسنر وهذا الكتاب أول عمل في الفكر العالمي يتضمن دراسة وصفية لحقب مختلفة من التقويم،

37

ولكن تطرق البيروني إلى الأعياد الدينية والأيام المشهورة، مما جعل الكتاب يحمل - بخلاف مضمونه الفلكي الهندسي - كنزا مذخورا في تاريخ وحضارات الشعوب الشرقية وأديانها ومأثوراتها، وكان هذا معهودا دائما من عالمنا.

وإذا كنا باحثين عن المنهج كتمثيل للعقلية العلمية فسوف يتقدم كتاب «الجماهر معرفة الجواهر» على سائر أعمال البيروني؛ لأنه تجسيد لمدى السير قدما نحو اكتساب السمة العلمية، بالتالي المنهجية التي طبعت عقلية البيروني.

ليس هذا الكتاب فتحا جديدا في ميادين البحث؛ لأن التأليف في الجواهر أمر شائع في الحضارة الإسلامية والحضارات القديمة إجمالا، وثمة أعمال سبقت البيروني أهمها: «في الجواهر والأشباه» للكندي، ومقال لنصر بن يعقوب الدينوري، وأخرى مفقودة لأبي بكر الرازي، وباستثناءات قليلة نجد أن أغلب الأعمال الجمة في هذا تهتم أساسا بالقوى السحرية التي تنسب للأحجار الكريمة، فتكون مجالا تتكاثر فيه الأساطير الخرافية بشأن قدرات الجواهر وفعالياتها التي تستمد منها القيمة العالية والثمن الغالي؛ لذلك يحمد اتجاه البيروني العلمي، وهو يبحث في الجواهر كمحض موجودات فيزيقية، ويتجاهل تماما أية قوى سحرية لها، ويكرس جهوده لتوصيف عقلاني لأسمائها وأنواعها وأوزانها وقيمتها التجارية وأماكن توافرها ...

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٣٣