تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

ولكن لئن لم تنتقل نصوص البيروني إلى أوروبا آنذاك، فليس يعني هذا أنه ليس له أي دور في التمهيد للنهضة الأوروبية ولحركة العلم الحديث. فلا شك أن للبيروني دورا في هذا، لكن بأسلوب غير مباشر عن طريق التلاميذ

25

والتالين له من أعلام الحضارة العربية، خصوصا في مجال الفلك والرياضيات، الذين ملأت مؤلفاتهم مراكز انتقال العلم العربي إلى أوروبا من قبيل صقلية وأشبيلية وقرطبة.

26

دأب البيروني على جمع «ما للقدماء والمحدثين»

27

من رؤى ونظريات في القضية المطروحة للبحث، خصوصا حين يطرح برهانه الهندسي لا بد وأن يسبقه بالبراهين التي طرحت قبله، ولا يخلو الأمر من مقارنة موضوعية، وكان مولعا بالجدل ونقد العلماء السابقين عليه والمعاصرين له وتبيان أخطائهم وتصحيحها. فهكذا فعل مع الكندي وثابت بن قرة وإبراهيم بن سنان وأبي الحسن البصري، وبطليموس وأرشيمدس وإرازموس ... وغيرهم، كما كان ينقد ويصحح نظريات أصحابها غير معروفين. وديدنه في هذا ألا يعمد أصلا لدراسة موضوع إلا بعد أن يحيط بكل ما كتب عنه، ويقيمه وينقده، ورائده عدم التسليم بأية قضية مهما كانت مشهورة إلا بعد امتحانها وإثبات أنها جديرة بالتسليم، ثم لا يتوانى عن تقدير آراء الغير، وتحري الأمانة في إثبات الفضل لذويه، قائلا أنه تعلم من أساتذته إعمال الرأي والبعد عن التعصب وطلاقة الفكر ليمزج بينها وبين ما أخذه عن أبي نصر - أي الفارابي - «فتكون يقظة العقل ووثبة الذهن وسلامة المنهج».

وبخلاف المعلم الثاني - الفارابي - تأثر البيروني بجالينوس العرب أبي بكر الرازي الذي وضع فهرست لأعماله، حتى وإن كان هذا «محض استجابة لطلب صديق»،

28

فقد مال البيروني لكثير من آراء الرازي الطبيعية المخالفة للمشائية الأرسطية السائدة في الثقافة الإسلامية، ولعل الرازي هو الذي ألقى في روع البيروني قيمة تاريخ الشعوب وعقائدهم، فقد أكد على أهمية هذه الدراسات، وبصفة خاصة فإن نزعة الرازي العلمية العقلانية التجريبية، وتأكيده لمعقولية الطبيعة واعتبار العقل جوهر الإنسان على الأصالة وأنه الحاكم في الكون ومجعول للمعرفة،

29

وتنبيهه إلى ضرورة التجريب الواعي وتحصيل المعارف السابقة عن الأقدمين، وامتحانها إذا لزم الأمر، وتعديلها إذا حكمت الخبرة والتجربة.

30

كل هذه الخطوط تنعكس بوضوح في منهجية البيروني.

ولكن البيروني ذا الإيمان الصادق العميق كان لا بد وأن يلوم الرازي لما عرف عنه أو نسب إليه من شطحات حرانية وهرمسية، وقوله بالقدماء الخمسة وإنكار النبوة ... وما إليه من أراجيف جعلته يلقب بالملحد الأكبر ... هذا ما جعل الباحثين يختلفون بشأن موقف البيروني من الرازي هل يدينه أم يدين له؟، ونحن نرى أن البيروني على الرغم من كل ما وجهه للرازي من نقد ومن تبكيت، فإنه قد أدان فقط شطحاته، ونميل إلى رأي ريتشارد والزر الذي أكد أن البيروني حمل للرازي - كعالم وكفيلسوف - تقديرا فريدا

31

إنه متواصل معه، سائر في طريقه العلمي والمنهجي.

خامسا: منهاج علمي للدرس والتحصيل

هكذا نلاحظ أن البيروني تأثر بالفارابي وبالرازي وابن سينا الذي يصغره في السن وفي العبقرية العلمية، كما أكد دي بور (راجع الهامش 24) ... تأثر أيضا بالكندي والمسعودي والفلكي الهندي فاراهميرا وسواهم ممن سبقوه ...

أما إذا يممنا الأبصار شطر المستقبل، فلن تدهشنا نقاط التقاء بين البيروني وبين كارل بوبر

K. Popper (1902-1994) شيخ فلاسفة المنهج في القرن العشرين والذي خرجت من أعطافه كل خطوط فلسفة العلم الراهنة، وكانت أهم منطلقات فلسفة بوبر أن الملاحظة تالية على الفرض العلمي، أما البدء بالملاحظة فلا يفضي إلى شيء، وهذه قضية مأخوذ بها الآن. لكن كان لا بد وأن يجيب بوبر على السؤال: ما هي نقطة البدء إذن - أو ما هي المرحلة الأولى - للبحث العلمي؟

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٣٢