18
ذكر معها قائمة من أعماله هو نفسه بلغت مائة وثلاثة عشر عملا، بالإضافة إلى خمسة وعشرين عملا كتبها علي بن العراق، وأبو سهل عيسى بن يحيى المسيحي، وأبو علي الحسن بن علي الجيلي تحت إشرافه، ثم ذكر حاجي خليفة في «كشف الظنون» خمسة عشر عملا آخر للبيروني، لم يذكرها حين ذكر أعماله في فهرست الرازي؛ لأنه أنجزها فيما بعد - أي في الأربعة عشر عاما السابقة على وفاته - وكذلك تم العثور على سبعة مخطوطات أخرى لم تذكرها أي من هذه المصادر، بخلاف أعمال نسبها آخرون أو نسبوا مضمونها للبيروني.
والخلاصة أن أعمال البيروني تبلغ حوالي مئة وثمانين عملا.
19
ويزداد الإعجاب بأبي الريحان حين نجده قد ترك هذا الإنتاج الغزير في حين أنه عاش في عصر اضطراب سياسي شديد، بل واشتغل فيه بالسياسة؛ إذ عمل مستشارا لخوارزم شاه مما جعل حياته بدورها شديدة الاضطراب، فتعرض للأسر والسجن والنفي، وكان على وشك أن يعدم لولا أن شفعت له مؤلفاته، وذلك عندما استولى السلطان الغزنوي محمود بن سبستكين عام (407ه/1017م) على خوارزم التي قضى فيها البيروني نحبه بعد ذلك عام 440ه، وهي تقع الآن على حدود أفغانستان، وكان من العلماء المحتجزين البيروني وأستاذه عبد الصمد الحكيم. قتل محمود الغزنوي عبد الصمد واعتقل البيروني في قلعة غزنة ستة أشهر، ثم أطلق سراحه؛ لأن مؤلفاته جعلته يدرك أنه في حاجة إلى علمه.
20
ومع هذه الأجواء بلغ إنتاجه - كما ذكرنا - نيفا ومائة وسبعين عملا، ولئن ضاع بعضها فليس يصعب تقصي أبعاد المنهج العلمي عند البيروني، ولا يحتاج الأمر إلى إسقاطات أو تعسفيات متربصة دائما بمبحث تاريخ العلوم عند العرب، فما زالت البقية الباقية من الأعمال المحققة والمثبتة للبيروني من الكتب الكبرى أو الرسائل المجمعة (راجع هوامش هذه الدراسة) تمثل رصيدا هائلا للباحثين.
هذا بخلاف ما ينتظر الإثبات والتحقيق من مخطوطات أخرى للبيروني متناثرة في المكتبات الأوروبية، وفي المكتبات الآسيوية التي تتمسك بانتساب البيروني إليها.
فقد ولد في مدينة كاث بخوارزم التابعة الآن لجمهورية أوزبكستان التي أقامت - حين كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي حتى انهياره - في عاصمتها طشقند جامعة أطلقت عليها اسم جامعة البيروني تخليدا لذكراه، كما أطلقت على مدينة كاث اسم مدينة البيروني، وتقع على شاطئ نهر آمو داريا - وهو نهر جيجون القديم - وتبعد حوالي مائتي كيلو متر جنوبي بحيرة آرال.
21
ولكن مسقط الرأس ليس هو دائما دامغ الهوية. فقد عاش البيروني في رحاب الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، وصدق إيمانه بدينها، ودان - كما رأينا - بالولاء العميق لها، وانتمى لزمرة أعلامها، وساهم في مدها العلمي، أخذ منه وأعطاه، وكتب بلسانها وآثره على سواه.
رابعا: منهجية التواصل العلمي
وعلى الرغم من عشق البيروني للغة العربية جاءت كتاباته بعيدة عن الزخرف اللفظي والتنميق بغير داع، ومكسوة مع هذا بمسحة جمالية عذبة، والأهم أنها أنموذج لمنهجية التفكير وتسلسل الأفكار، متحرية الضبط عن طريق استعمال مصطلحات دقيقة أو على الأقل محددة. إنها على الإجمال كتابة علمية لأقصى حد يمكن أن يسمح به العصر الوسيط، خصوصا وأن عالمنا كان يكتب دائما واضعا نصب عينيه أنه عالم متبحر، لا يكتب للدهماء، ولكن لصفوة العلماء، فيتعمد البعد عن الأمثلة التي توضح بقدر ما تبسط وتسطح، يقول البيروني: «إني أخلي تصانيفي من المثالات، ليجتهد الناظر فيها ما أودعته فيها، من كان له دراية واجتهاد وهو محب للعلم، ومن كان من الناس على غير هذه الصفة فلست أبالي فهم أم لم يفهم.»
22
هكذا لم تكن كتابات البيروني سهلة يسيرة المنال، فلم يعرفه العالم الغربي،
23
ولم تنتقل نصوصه إلى أوروبا في عصر انتقال العلم العربي إليها فيما قبل عصر النهضة. عرفه الأوروبيون فقط مع نمو حركة الاستشراق في القرن التاسع عشر، واهتموا به مع تنامي الاهتمام بتاريخ العلوم في القرن العشرين، ويرجع مارتن بلسنر هذا إلى تخوف المترجمين في العصور الوسطى وعصر النهضة من «صعوبة لغة البيروني ومناهجه الدقيقة لمعالجة الموضوعات الواردة في مؤلفاته»