وعلى هذه الأسس يمكن أن نتفهم نصا بالغ الأهمية والدلالة، قاله البيروني في مقدمة كتابه «الصيدلة في الطب» واستهله بتأكيد أن كل أمة من الأمم - اليونان والعبرانيين والنصارى والهنود والمغاربة ... - موصوفة بالتقدم في علم أو عمل، ثم يقول أبو الريحان:
ديننا والدولة العربية توءمان، يرفرف على أحدهما القوة الإلهية، وعلى الآخر اليد السماوية، وكم احتشد طوائف من التوابع وخاصة منهم الجيل والديلم، في إلباس الدولة جلاليب العجمة، فلم تنفق لهم في المراد سوق، ما دام الأذان يقرع آذانهم كل يوم خمسا، وتقام الصلوات بالقرآن العربي المبين خلف الأئمة صفا صفا، ويخطب به لهم في الجوامع بالإصلاح كانوا كاليدين والفم، وحبل الإسلام غير منفصم وحصنه غير منثلم، وإلى لسان العربية نقلت العلوم من أقطار العالم وسرت محاسن اللغة منها في الشرايين والأوردة، وإن كانت كل أمة تستحلي لغتها التي ألفتها واعتادتها واستعملتها في مآربها مع آلافها وأشكالها، وأقيس هذا بنفسي وهي مطبوعة على لغة لو خلد بها علم لاستغرب استغراب البعير على الميزاب، والزرافة في المكراب، ثم منتقلة إلى العربية والفارسية، فأنا في كل واحدة دخيل ولها متكلف، والهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية.
11
التسامح والانفتاح على تراث كل الأمم، وراءه إيمان العالم بوحدة العلم وتكامل الجهود في طريقه، ولم يتعارض هذا مع إيمان معتز بالدين الإسلامي، جعله يرفع من شأن العروبة ولغتها الجميلة التي ترجم إليها أسفارا، ثم تعود موضوعية العلم لتؤكد أن كل اللغات سواسية من الناحية الموضوعية، متفاضلة على أسس ذاتية. فينحو على ذاته ويتذكر لغته الخوارزمية - التي هي غريبة ومغتربة عن العلم - لكنه اقتحم لغتي الثقافة؛ أي العربية والفارسية وللأسباب الدينية والحضارية المذكورة تعلو الأولى على الثانية إلى أبعد الحدود.
ثالثا: حصاد وافر
وفضلا عن الخوارزمية والفارسية والعربية التي عشقها، أتقن البيروني أيضا اللغات السنسكريتية والسريانية والعبرية وألم باليونانية.
12
مما يسر له الرجوع إلى المراجع العلمية المنجزة في تلك الحضارات العريقة، متفاديا أخطاء المترجمين غير الملمين بدقائق العلم المتخصصة، وكان هذا من العوامل التي أعطته خلفية علمية مكينة يسرت له الانطلاق بعبقريته.
من هذه العوامل أيضا أنه تراسل مع معاصره الشيخ الرئيس ابن سينا، وتفاعل - بعنف - مع عقليته الموسوعية الثرة، فقد وجدت للشيخ الرئيس أجوبة مسائل سأله عنها أبو الريحان البيروني، وهي تحتوي على أمور مفيدة في الحكمة.
13
لكن النقاش بينهما كان حاد اللهجة حتى عزف ابن سينا عن مواصلته،
14
لكن لا ينفي هذا أن البيروني عرف للفلسفة حق قدرها وعدها من أهم ظواهر المدنية، وأولاها حظا من عنايته، وله فيها إسهام، ولا يحتل البيروني موقعا في تاريخ الفلسفة ولم يعرف كفيلسوف؛ أولا: لأن عقليته أساسا - كما اتفقنا - علمية وموقعه الحق في تاريخ العلم، وثانيا: لأن إسهاماته الفلسفية مفقودة تماما، وأهمها «كتاب في التوسط بين أرسطو طاليس وجالينوس في المحرك الأول» و«رياضة الفكر والعقل»، وعثر أخيرا في إسطنبول على عمل هام له في الفلسفة بعنوان «الشامل في الموجودات المحسوسة والمعقولة»، ولكن لم تثبت بعد نسبته إلى البيروني بصورة قاطعة.
15
ليست كتبه في الفلسفة فقط هي المفقودة، مفقود أيضا بعض من أهم أعماله في عقر داره - أي في الفلك والرياضيات والطبيعيات - من قبيل «البحث عن الآثار العلوية» ومقالة «في صفة أسباب السخونة الموجودة في العالم واختلاف فصول السنة»،
16
وغير هذا كثير مفقود تماما، فقد وضع الرجل ما لا يحصى من الرسائل العلمية القصيرة.
17
وحين وضع البيروني فهرست لأعمال أبي بكر محمد بن زكريا الرازي (+313ه/925م)