تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21

لذلك اعتبر إمجه

Emge

اليوتوبيا - أو الطوباوية - أيديولوجيا مرئية يتوقع حدوثها، إنها تسعى لتحقيق النظام الاجتماعي الذي ترسم معالمه، فتطالب بتغيير جذري للعلاقات المجتمعية والسياسية، تنفي أوضاعا راهنة وتستحث نظاما جديدا، فيقول الفيلسوف البولاني الماركسي كولاكوفسكي: إن اليوتوبيا قوة حقيقية، إنها المثل الأعلى لنظم جديدة والهدف المستكن لواقع تاريخي، ولكنها في الوقت نفسه أداة للتأثير في الواقع، ولتخطيط العمل المجتمعي بصورة مسبقة.

22

وفي كل حال تنطلق اليوتوبيا - كما الأيديولوجيا - من موقف اجتماعي معين وتحتوي على حقائق تاريخية معينة - كما أوضح إرنست بلوخ

E. Bloch . وبهذا التضافر مع اليوتوبيا أو الطوبى، تحمل الأيديولوجيا قوة لتأكيد وترسيخ المجتمع، كما يراها البعض كمانهايم، من حيث تحمل قوة دافعية لحركيته، كما يراها البعض الآخر كجورج سوريل.

ونرجئ الآن مسألة تقابل وتصارع الأيديولوجيا مع العلم التجريبي

23

أو مع الفلسفة؛ إذ ها هنا يهمنا فقط وظيفتها، والتي أكد عليها لويس ألتوسير

L. Althusser

تأكيدا، ربما لأنها تماثل الوظيفة المعرفية للعلم التجريبي؛ إذ يقدم العلم إطارا لتعقل حوادث الطبيعة وتفهمها تمهيدا للسيطرة عليها، كذلك تقدم الأيديولوجيا إطارا لتمثل العلاقات الاجتماعية وتنظيمها، بل وربما القدرة التوجيهية لها، بمقتضى منطق أو قاعدة أو مبدأ أو قيمة، يتواضع الناس عليها، ويحصل الإجماع بينهم على اعتمادها، وهذا أحد الأسباب القوية التي تؤدي إلى صمود الدين وخلوده على الرغم من غزوات العقلانية وبطولات العلم؛ وذلك لأن الدين نجح كأيديولوجيا في تزويد الناس برؤية متجانسة تحقق لهم التوازن الذاتي أمام الطبيعة والمحيط الاجتماعي، وتمنحهم قواعد وأطر وأدوات لتنظيم وجودهم.

24

ومن ناحية أخرى يمكن الدخول في مقاربة ومقارنة مثمرة وبناءة لعلاقة الأيديولوجيا بالفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى غاية اجتماعية قومية محدودة، بينما تسعى الثانية إلى غاية إنسانية عامة شاملة. لكن الفلسفة كأي نتاج اجتماعي ما كان لها أن توجد إلا من خلال أيديولوجيا، كما أن النظر الفلسفي يبقى ضرورة للأيديولوجيا في إثارته الأسئلة الجوهرية، وتعيين المشكلات الأولية التي منها تتفرع المشكلات الثانوية. وحق القول إنه: «يقي الأيديولوجيا مغبة السقوط لعدم تمييزها بين الأصول والفروع وبين الكليات والجزئيات، ويدفعها إلى تجنب الاكتفاء بالإجابة على التساؤلات دون النفاذ إلى الأعمق والأشمل من المعطيات الحاضرة والماضية، والنظر الفلسفي في ذلك يجرد الأيديولوجيا من مثال الإطلاقية التي تضع الأيديولوجيا خارج التاريخ، ويتسرب نتيجة لذلك الوعي الزائف في تفسيرها واقعات التاريخ تفسيرا إسقاطيا أو تفسيرا قصديا، فتسحب رؤية الماضي على الحاضر، ورؤية الحاضر على المستقبل.»

25

هكذا تتبدى لنا أهمية التجديد الفلسفي لعلم الكلام من حيث هو أيديولوجيا. •••

إن علم الكلام يملك المساهمة الكبرى في التمثيل العام للأيديولوجيا الإسلامية، على أساس أن الأيديولوجيا هي الوجود الواعي للأمة، من حيث هي مجموعة الأفكار المبدئية العامة لكل جماعة معينة بشأن أصولها وأهدافها ومعاييرها وقيمها ومصالحها الحضارية.

26

هكذا أتانا علم الكلام القديم حاملا الإطار العام لأيديولوجية المجتمع آنذاك، بشتى توجهاتها وفرقها، لا سيما المعتزلة والأشاعرة، وسيادة الأخيرة، وينتظر من علم الكلام الجديد الذي نرومه متجها نحو المستقبل، أن يصلح إطارا وموجها أمثل للحضارة الإسلامية الحديثة على مشارف القرن الحادي والعشرين، وأن يكون قادرا على التلاؤم مع روح العصر المثقل بإشكالياته الجمة الخاصة به، قصوراته القديمة ومحنه الطارئة وتحدياته المستجدة، والنازع إلى النهوض رغم التأزم والعقبات، نريده علم كلام قادرا على مواجهة الواقع الراهن ومتطلباته وتحدياته الضروس. بكلمة واحدة، لا بد وأن يكون أيديولوجيا لحضارة متأزمة وناهضة معا، تحاول الوقوف على أسباب الأزمة؛ للخروج منها إلى آليات النهوض.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٧