لقد تعثرت محاولات التحديث، أو أنها على الأقل وبعد ما يقرب من قرنين من الزمان لم تؤت أكلها المنشود، لا سيما إذا قورنت بتجارب تحديث أخرى، كنا الأسبق منها زمانيا من قبيل التجربة اليابانية، وسوف تستمر محاولاتنا التحديثية في تعثرها طالما تصطدم بالتراث كمخزون نفسي للجماهير، ولا تستوعبها أيديولوجيا واضحة المعالم تجسد نزوع الأمة، ويجد فيها الواقع تعبيرا عن ذاته. من هنا كان التوجه العام للبحث عن أيديولوجيا إسلامية مقابل أيديولوجيات التحديث المعاصر التي تتشكل بخطوط غربية. فكما لوحظ مرارا وتكرارا: «لقد عول الفكر العربي على العديد من الأيديولوجيات، فانتهى إلى المزيد من التفكك والتبعية، فلماذا لا يكون الإسلام قرآنا وسنة وتاريخا هو أيديولوجيا الوحدة والتحرير؟»
27
إن الإسلام هو البديل المطلوب؛ لأنه يرتبط بالجماهير، ويوفر لها الغذاء المعنوي في وقوفها ضد الهيمنة الأمريكية التي تستهدف السيطرة الاقتصادية والسياسية التامة على البلاد العربية.
28
أما أصحاب النزعة التحديثية المتطرفة، السائرون في اتجاه العدمية التراثية، بتعبير طيب تيزيني، المؤتمون بإسماعيل مظهر وشبلي شميل وسلامة موسى ... والتالين لهم، أولئك الذين لا يرون في الإسلام أصلا وفروعا، جملة وتفصيلا، شكلا ومضمونا، إلا معاملا لكل تخلف ورجعية، فعليهم الالتفات إلى تحدينا الأكبر إزاء الصهيونية، وهو إن لم يعد تحديا عسكريا فسيظل دائما تحديا حضاريا، والصهيونية فكر ديني متشدد؛ باسم الدين في إسرائيل يكون الوطن والوطنية والقومية والهوية والجنسية والحرب والسلام والمفاوضات والمعاهدات والحقوق والاستثناءات والامتيازات والتنازلات والتشددات والنكوصات، وأيضا المجازر والمذابح والاعتقالات ... إلخ،
29
ونحن لا نستطيع التراجع عن تحد أو صراع هو في جوهره ديني، وإذا كان الدين هو الذي يرسم حدود الحلبة؛ فإن مخزوننا النفسي ونسيجنا الشعوري وطبيعة حضارتنا - والدين فيما يقال اختراع مصري - تجعلنا أولى من غيرنا بترسيم مثل تلك الحدود.
والواقع أن الدين دائما أيديولوجيا، من حيث هو نسق من المعتقدات تلجأ إليه الجماعة «يرضي حاجات نفسية فردية جماعية؛ أهمها التماسك والشعور المشترك بوسائل شتى من الشعائر والطقوس والتعاليم المقدسة. من هذه الزاوية يملك الدين قدرة تعبوية هائلة ينعدم فيها غالبا الشك والتساؤل والانقسام.»
30
لكل ذلك كان علم الكلام هو التمثيل العام للأيديولوجيا الإسلامية، فهو القادر على تأطير حضارتنا بكل خصوصيتها، من أجل انبعاثه في عصر التحديات الضروس المستجدة، شريطة أن يكون بدوره مستجدا ... علم كلام جديدا نازعا نحو المستقبل، فعدم تطوير علم الكلام القديم، وتقوقع الموروث إجمالا على ذاته، هو ما ارتد في الواقع المعاصر إلى تطرف وعدوانية ظهرت مؤخرا في الجماعات الإرهابية الجانحة، التي تساهم في إبراز أهمية التجديد بقدر ما تبدت أهمية علم الكلام.
إنها أهمية علم الكلام الجديد ... السائر نحو المستقبل. •••
ولا شك أن تجديد علم الكلام، ونفض رواسب الجمود عن كواهله، شقا لطريق المستقبل، يحتاج إلى فريق عمل ... بل فرق. إنها مسئولية جيل ليضطلع كل بما يستطيعه، بهذه الرؤية أو تلك، من هذه الزاوية أو تلك، في هذا الوضع أو ذاك ... ومنطلق فلسفة العلوم يفرض علينا موضعا متعينا هو الطبيعيات التي طال انفلاتها من بين أيدينا. لن يشق علم الكلام طريق المستقبل ما لم ينضبط وضع الطبيعيات فيه، ومن ثم في وعي الجماعة، ما لم يتسلح بوضعية مستجدة ومكينة للطبيعيات، فيكون أيديولوجيا مؤهلة للالتحام الخلاق بالحلم العلمي التقاني.
لكن كيف؟ كيف السبيل لهذا؛ ولأن يشق الكلام أجوازا؟
الفصل الثاني
| علم الكلام نحو المستقبل، كيف ...؟