بكل هذا الدور الحاسم والفعالية الشاملة لعلم الكلام، ولأنه أصيل، بمعنى الكلمة وخصوصي، تخلق في رحم الحضارة الإسلامية، وأيضا لأنه يدور بصورة أو بأخرى حول التنظير العقلي للعقائد الإسلامية التي هي المخزون النفسي والبناء الشعوري للجماهير، النسيج القيمي، ملامح المجتمع وقسماته وأطر معاييره ... على الإجمال الموجهات العامة للوعي وللسلوك، فقد أصبح التمثيل العام للأيديولوجيا الإسلامية، لا سيما وأن علم الكلام بالذات، ودونا عن سائر علوم تراثنا القديم، هو الذي نشأ في أتون الصراع السياسي ، وأن المتكلمين كانوا دائما هم أيديولوجيو الدول الإسلامية. المعتزلة جندتهم الدولة العباسية الأولى في حربها ضد خطر الشعوبيات عليها، وما حملته من تيارات فكرية مناهضة للعقلية الإسلامية كالمانوية والمجوسية والغنوصية؛ «فكان المعتزلة هم أيديولوجيو الدولة آنذاك، يعملون على نشر وتكريس العقل الديني الإسلامي، وبالتالي سلطة الدولة.»
18
ولما تعاظم شأن المعتزلة - لتعاظم شأن العقل معهم - وقوي بناؤهم الأيديولوجي وبات خطرا يهدد الدولة الاستبدادية التي بدأت عوامل الضعف والتفكك تتسرب إليها، نهض الأشاعرة للرد عليهم وتحجيمهم، فأصبح الأشاعرة أيديولوجيي الدولة الإسلامية في العصر العباسي الثاني وما تلاه. ومن قبل حين تكلم الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (83-148ه) أسس جعفر بكلامه أيديولوجية الدولة الشيعية، وقد كان للشيعة دورهم في نشأة علم الكلام وفي تطور مباحثه.
لقد تشكل علم الكلام كاستجابة للمشكل السياسي وللمتغيرات الحضارية التي لا تنفصل بدورها عن الفتوحات العسكرية والامتداد السياسي. «كانت المواقف السياسية يبحث لها عن سند عام في الدين، كان ذلك أولى الخطوات التنظيرية التي أسست ما سيطلق عليه فيما بعد «علم الكلام». إذن فعلم الكلام في حقيقته التاريخية لم يكن مجرد كلام في العقيدة، بل كان ممارسة للسياسة في الدين.»
19
على الإجمال؛ أتى علم الكلام القديم نتاجا لتفاعل ثلاثة مقومات، هي: العقائد، المعترك السياسي، العقل الفلسفي أو على الأقل النظري.
العقائد: أولا هي صلب الأيديولوجيا الإسلامية ونخاعها، وثانيا لا تكتسب الجماعة هويتها إلا من خلال الهوية السياسية، وبعد رسوخ مفهوم الدولة في العصر الحديث؛ فإن الأيديولوجيا الآن لا تنفصل البتة عن السياسة، ولا يتضح دورها إلا من خلالها، «وقد احتفظ مفهوم الأيديولوجيا دائما، ورغم التغيرات في محتواه، بنفس المعيار السياسي للحقيقة والواقع.»
20
وثالثا سوف نرى لاحقا أن الأيديولوجيا إن أريد لها النماء والصيرورة والفاعلية والمواءمة مع المتغيرات، فلا مندوحة لها عن الاستعانة مجددا بالتنظير وبالعقل الفلسفي، لكل ذلك يغدو مشروعا أن نضع علم الكلام في وضع الإنابة ما دمنا بصدد المشكل الأيديولوجي؛ إقرارا بشمولية الأيديولوجيا للخصوصية الحضارية . •••
ومهما تصاعد الجدل حول مصطلح «الأيديولوجيا» فإنها تظل دائما حاجة وضرورة ملازمة للوجود الإنساني، من حيث إنها التعبير عن معتقدات الجماعة التي تجعلها «جماعة» ذات هوية، وليست مجرد حاصل جمع آحاد الأفراد. ولئن كانت الأيديولوجيا منظومة نظرية؛ فإنها لا تتناهى تجريديا، بل لا بد لها أن تأتي تعبيرا عن واقعات جماعية محددة ... عن معتقداتها المتجهة نحو مصالحها اتجاها ينبع من متعينات واقعها، مما يجعل الأيديولوجيا حاملة لإمكانيات الحركية والتغيير والتطوير نحو مثاليات الجماعة وطموحاتها. إن بها منظومة فكرية تدعو إلى تفسير العالم وتغييره في آن واحد، من هنا كانت الأيديولوجيا متضافرة دائما مع الطوباوية أو اليوتوبية
Utopism
وتصور ما ينبغي أن يكون، ولئن كانت الأيديولوجيا - كما أوضح كارل مانهايم - تتعايش مع الحالة الراهنة في المجتمع، بينما الطوباوية دائما في وضع التعارض مع الحالة الراهنة، فإن العنصر الأيديولوجي والعنصر الطوباوي في الفكر الإنساني لا يولدان منفصلين عن بعضهما؛ طوباويات الطبقات الصاعدة كثيرا ما تتحول إلى أيديولوجيا، «ومعيار التفريق بينهما هو درجة تحقيق الطوباوية في التاريخ وتحولها إلى أيديولوجيا.»