وسواء أكنا قوميين أو إسلاميين نتفق جميعا على ضرورة العمل من أجل انبعاثة روح حضارتنا وتأكيدها في مواجهة الآخر الغربي المسيطر، حتى إن عبد الله العروي - وبعد أن حمل كتابه «العرب والفكر التاريخي» تسليما بهيمنة المشروع الثقافي الغربي - يعود في عمل آخر ليشير إلى أن «الانبعاث لا يعني إحياء إنجازات الماضي بقدر ما يعني استعادة العرب للمركز القيادي الذي احتلوه فيما سبق بطول الوطن العربي وعرضه.»
12
إنها استعادة الانبعاث للفاعلية في المكان، بمعنى استغلاله علميا وتسخيره والسيطرة والاستقلال به، واستعادة الانبعاث للفاعلية في الزمان، بمعنى فاعلية الأمة في مواجهاتها ومحاوراتها مع الأمم الأخرى، وبالتالي إثبات وجودها الحضاري والتاريخي والوطني والإنساني؛ على الإجمال الانبعاث هو انبعاثه روح الحضارة. وحين يطرح العروي السؤال: ما هي روح الحضارة الإسلامية؟ يخلص إلى أن: «الخوض في مسألة روح الحضارة ينتهي حتما إلى تأسيس علم كلام مستحدث.»
13 (2) علم الكلام ... أيديولوجيا
في مثل هذه المقاربات لصلب ثقافتنا - أو حضارتنا، وأيضا لا مشاحة في الألفاظ - كان لا بد وأن يتبوأر علم الكلام الذي هو نبتة إسلامية أصيلة، نشأ قبل عصر الترجمة، قبل التأثر بالفلسفة اليونانية، كأول محاولة للتعبير عن النصوص الدينية وفهمها فهما عقليا خالصا، وتحويلها إلى معان كحركة طبيعية في تجاوز النص الديني إلى المعنى العقلي،
14
فكان بحق أوسع وأهم المجالات لما أسماه محمد عابد الجابري «العقلانية العربية الإسلامية»، أو أنه - كما رأى الشيخ مصطفى عبد الرزاق - الفلسفة الإسلامية الشاملة، حتى لعلم أصول الفقه بكل تألقه المنهجي.
إن العرب في جاهليتهم لم يعرفوا الفلسفة البتة، هذا صحيح؛ لأنهم ببساطة «لم يعنوا بأول أدوات الحضارة النظرية وهي التدوين وتأليف الكتب.»
15
ولكن طويلا ما رددنا أن حركة التفلسف العربية - فيما بعد - بدأت بالترجمة، واستقر هذا في وعينا كبديهية أولى في درسنا للفلسفة الإسلامية، وبالطبع لا جدال في أهمية وفاعلية حركة الترجمة، ولكن أن تكون هي نقطة البدء والمحرك الأول، فهذا يعني أن الفلسفة الإسلامية محض نتاج للمؤثر الخارجي اليوناني، فتكون أصلا وامتدادا في وضع المنفعل المتلقي، ويظل الغرب وتراثه ابتداء وأبدا في وضع الفاعل الملقن، وتتأكد مركزيتهم وهامشيتنا، وكما يقول حسين مروة عن الزعم بانفعال الفكر العربي الإسلامي بالمصادر الخارجية: «الانفعال وحسب يتضمن القول بأن المنفعل تابع ومقلد وناقل فحسب دون إبداع.»
16
إن نشأة علم الكلام في التربية الإسلامية ونموه في مناخها الموار الفائر، بفعل مكوناتها وصراعاتها، حتى وصل بفضل عوامل عديدة، منها حركة الترجمة، إلى طور الفلسفة الإسلامية، يطيح بذلك الوهم الذي يجعلنا منفعلين فحسب، ومن الضروري هنا الإشارة إلى لفتة حسين مروة الثاقبة، حين أوضح بالتفصيل المدروس كيف أن المحرك الأول للعقل العربي، وبالتالي النقطة الأولى المفضية للفلسفة الإسلامية لم تكن حركة الترجمة، بل كانت عقيدة الجبر التي رفعها الأمويون لتبرير حكمهم الجائر القائم على الدم الطاهر المراق، وبالتالي ظهرت الثورة عليهم في شكل رفض أيديولوجيتهم السلطوية؛ أي رفض عقيدة الجبر على يد الثالوث من شهداء القدرية أو الحرية: معبد الجهني وعمرو القصاص وغيلان الدمشقي، الذين هم أسلاف المعتزلة. والمعتزلة بدورهم أسلاف الفلاسفة الإسلاميين.
17
ومن هذه الثورة الشعبية ضد السلطة الجائرة، أو هذا الصراع الأيديولوجي بين الجبرية والقدرية في الربع الأخير من القرن الهجري الأول، بدأت رحلة العقل العربي إلى عالم التفلسف مصداقا للقول الشهير: تاريخ الفلسفة هو تاريخ الحرية.