العلم هو كل اعتقاد جازم مطابق لسبب، فيتميز عن الشك والظن؛ لأنهما ليسا جازمين، وعن الجهل؛ لأنه غير مطابق، وعن التقليد؛ لأنه اعتقاد جازم مطابق، لكن لغير سبب.
28
وإن قيل إن العلم الطبيعي لم يعد اعتقادا جازما، بل معرفة مفتوحة للتطوير والتعديل والتقدم؛ فإن هذا لم يغب بشكل ما عن بال القدماء الذين لم يروا العلم معارف بقدر ما هو بناء نظري. وقد عرف بعضهم العلم بأنه حصول الشيء في العقل. وإذا كان هذا التعريف صوريا، يقوم على عالم المعقولات ويغفل دور التجربة الأساسي في العلوم الطبيعية، فإن المطابقة مع الواقع جعلت العلم الضروري عند القدماء هو القائم على الحس والمشاهدة، وتعني أصلا حاسة البصر، ثم امتدت حتى شملت الحواس الخمس، ولم يكن اليقين الحسي يقل عن اليقين العقلي
29
خصوصا في المنطق الحسي الطبيعي عند الأصوليين.
ثم يظهر النظر - أولى الواجبات - القائم على الدليل الصحيح باعتباره شرط العلم، وفي وجوب النظر كطريق للعلم نجد الزاوية الركينة لانطلاقة الطبيعيات الإبستمولوجية كحق وواجب على المسلم المعاصر، فأولا: «النظر واجب إجماعا»،
30
النظر حسن في ذاته، وعدم النظر قبح في ذاته؛ لأن العلم حسن والجهل قبيح، والنظر يصبح أكثر وجوبا بعد انتهاء آخر مرحلة من مراحل الوحي، باعتبار الإسلام خاتمة الرسالات السماوية، وتتفاوت درجة وجوب النظر بين الإجمال والتفصيل طبقا للحاجة وللاستعدادات.
النظر الإجمالي واجب على الجميع؛ لأنه التصور العام للعالم. أما النظر التفصيلي فيتفاوت من فرد إلى فرد طبقا لدرجة التفقه والقدرة على النظر. من زاوية الطبيعيات، النظر التفصيلي هو النظر التخصصي، كلما ازداد الوعي اتسعت مساحة النظر التفصيلي، وزاد المتخصصون في العلوم الطبيعية، المطلوب أن يتحول وجوب النظر إلى تكليف شرعي.
إن التكليف بالنظر تكليف بالعلم؛ لأن إيجاب النظر إيجاب للعلم، وكمال النظر بتوليد العلم، وكلاهما مقدور للإنسان.
31
رأى الأشاعرة أن ارتباط النظر بالعلم مجرد عادة؛ لأن العلم كسبي إلهي، وليس بفعل النظر، لكن قال المعتزلة: إن النظر يؤدي إلى العلم عن طريق التوليد، التوليد موجب للعلم إيجاب العلة لمعلولها، لكن الصلة بينهما ليست آلية، بل يتولد العلم عن النظر إذا توافرت شروط التوليد، ويمكن أن نجدها في منطق الكشف العلمي الحديث من ضرورة الإلمام بموقف المشكلة المطروحة للبحث ... وعناصرها والجهود السابقة، ثم طرح فرض علمي لحلها وفحصه منطقيا وتجريبيا ... إلخ.
وأخيرا شهدت نظرية العلم محاولات لتحديد العلم باعتباره نظرية شاملة للنظر والعمل، وكأن العلم يتأسس في العقل ويقوم على الواقع (العقل والواقع = الفرض والملاحظة). ثم تظهر مادة العلم الضروري بمعنى الفطري، مثل المسلمات العقلية وبداهات العقول؛ فتظهر نظرية العلم باعتبارها نظرية في العقل. العقل وسيلة العلم وآلته، والعلم نتيجته وثمرته. وتظهر الحدسيات والحسيات كجزء من المعرفة الضرورية والتواتر كنموذج لها مشروط بالبداهة.
32
هذا العلم الضروري أو الفطري أساس معروف، أسماه الإبستمولوجيون المحدثون الحس المشترك
Common Sense
وعنوا به، وغاص كارل بوبر في أعماقه؛ حيث اهتم بما أسماه النزوعات الفطرية أو الاستعدادات السيكولوجية التي قد تكون على درجة عالية من الاختلاف والتعقيد يولد الكائن الحي مزودا بها، ليواجه بها الواقع التجريبي، فتتعدل وتتغير مع تطور الكائن الحي.
33
اهتمام المتكلمين بالعلم الفطري أو الضروري يعني أن مبدأ العلم مساوق لوجود الإنسان ومطابق لفطرته، ورأوا مادته في المسلمات العقلية والبداهات وأوائل العقول وشهادات الوجدان وتواتر الأخبار ومجرى العادات ... كلها تستلزم إنسانا حيا ذا حس وتجربة وحدس وعقل وتواتر.