تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذ يستطيع علم الكلام الجديد أن يفعل هذا، فإنه يقوم بدوره فيما يختص بوضع الطبيعيات في عصر تعملق العلم الطبيعي، ويكون علم الكلام بهذا قد أدى واجبه وجعل الوحي رسالة يضطلع بها الإنسان. ويشد الكلام أزر العلم الإنساني، لا العلم الإلهي الغني، فينفسح المجال على مصراعيه للاجتهاد الإنساني، ما دمنا نتحدث في نظرية العلم الذي هو من صنع الإنسان، وليس في نظرية الوجود الذي هو من صنع الله.

وكما أوضحنا، العلم صيرورة متنامية، والوجود كينونة باقية، العلم صنيعة الإنسان دائما، والوجود صنيعة الله أصلا، انشغل الكلام القديم بالعلم الإلهي؛ لأنه لا محدود، بينما العلم الإنساني محدود. وحين تنفسح الحلبة للعلم الإنساني بمجمل طاقاته نتخلص من هذا التحقير للذات والتسفيه لإمكانيات العقل الإنساني، وينطلق العلم الإنساني بلا حدود؛ لأن التقدم العلمي بصميم خصائصه المنطقية تقدم لا محدود.

24

المطلوب الآن أن تكون الطبيعيات الإبستمولوجية متوشجة في بنية علم الكلام الجديد بوصفه أيديولوجية حضارة تواصلية، لكنها معاصرة، وناهضة متجهة نحو المستقبل. فكيف يتم هذا بكلمة واحدة، يتم بإبستمولوجية العلم الطبيعي وكيف تتولد عن أيديولوجية الدين.

مرة أخرى نجد خط التواصل في اهتمام المتكلمين المسبق بنظرية العلم، هذه قاعدة منهجية جيدة، بصرف النظر عن موضوع تطبيقها، فقد رأينا اهتمامهم بنظرية العلم، وسبقها على نظرية الوجود، مما يعني أن الوجود موضوع العلم هو المعلوم، وليس البتة مستقلا عن العلم. إن نظرية العلم هي الأساس، ولن يصعب زرع الطبيعيات في تربتها الخصيبة (ولا ندري هل تفيد ميوعة مصطلح العلم هنا أم تضر؟!) •••

نظرية العلم أو السؤال كيف أعلم أو أعرف؟ لم تظهر في المؤلفات المبكرة التي كانت مجرد عرض لقواعد الإيمان ومبادئ العقيدة، ثم كان ظهورها تطورا طبيعيا للإيمان، وتحويله إلى مستوى النظر بفعل الحوار مع الحضارات المناهضة، فتعامل علم الكلام مع هذه الحضارات بأسلوبها واستعمل مناهجها. في هذا السياق تولدت نظرية العلم وتنامت وتكاملت، فكان أن تأسست تأسيسا حضاريا/أيديولوجيا.

لكن بعد أن تأسست أصبحت مقدمة ضرورية لعلم الكلام، سواء من حيث هو تاريخ فرق أو من حيث هو بناء لنسق العقائد. بعض المصنفات التي تجمع بين التأريخ والبناء، كالفصل لابن حزم تبدأ بنظرية العلم وتنتهي بها، ويكون العلم تطبيقا لهذه النظرية.

وبطبيعة علم الكلام ظهرت نظرية العلم في بداياتها منبثقة عن الإلهيات ومرتبطة بها، إذ بدأت - كما أوضح حسن حنفي

25 - بالبحث في التقابل بين العلم الإلهي والعلم الإنساني، وشيئا فشيئا تأخذ شكلها الإنساني المستقل في المؤلفات المتأخرة كنظرية في المبادئ والأحكام، ثم تكتمل نظرية العلم، فتظهر مضاداته كالشك والوهم والتقليد والإلهام، فالعلم لا يتأسس إلا بعد تطوير الوعي وتطهيره من معوقات العلم، بتعبير فلسفة العلم الطبيعي، بعد التصحيح الذاتي للأخطاء في البناء المعرفي السابق.

وبعد رفض مضادات العلم وضع القدماء له مقياسا أو معيارا معروفا هو «مطابقة الاعتقاد للواقع»، لا يختلف كثيرا عن منطق الاختبار التجريبي. العلم البسيط هو المطابقة للواقع، والعلم المركب هو العلم بهذه المطابقة؛ أي العلم بالعلم،

26

أو نظرية المنهج وفلسفة العلم التي قيل في تعريفها إنها العلم بالعلم. العلم طبعا أوسع من المطابقة مع الواقع فحسب، هو أيضا مطابقة مع العقل ليكون متسقا قائما على الأدلة، ومع النفس ليكون تصورا أو تمثلا أو اعتقادا، ثم مع الواقع كي يمتنع أن يكون وهما أو خيالا،

27

بهذا يحمي العلم نفسه من الصورية الخالصة التي تتناقض مع المضمون الإخباري للعلوم الطبيعية، أو من التجريبية الفجة التي راح زمانها ومن الوجدانية والانفعالية التي يستحيل أن تضطلع بالعلم الطبيعي؛ فيكون العلم بفضل ما أسماه الأقدمون مطابقة، كيانا صوريا وماديا، عقلانيا وتجريبيا.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٥٣