تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العقل ليس هو العقل الصوري فقط، بل هو الجامع للحس والوجدان والفكر والعادة والخيال،

34

وكلها مطلوبة في نظرية المنهج التجريبي المعاصرة، من أجل قدح زناد العقل العلمي ليطرح فرضا جريئا خصيبا ... فالعلم مشروط بحياة العقل، والوجدان أحد مظاهره. الأصول الأولية أو العلم الفطري، مقدمة لا تنفي، بل تثبت ضرورة الانطلاق منها إلى العلم الكسبي بالنظر والاستدلالات والمشاهدة والتجربة والعادة.

في كل هذا نستوعب تراث الأقدمين ونتجاوزه، حيث كان العلم في زمانهم مزدهرا نسبيا، لكن بوصفه دائرة من الدوائر التي ترسمت حول الوحي. وتعيين أوليات الإبستمولوجيا الطبيعية في نظرية المعرفة - صدر المقدمات - يمكن أن يجعل العلم الطبيعي في عصرنا محورا وليس مجرد دائرة.

على العموم أصبحت نظرية العلم في آخر صورها نظرية في المنطق. وهذا ما ظهر بوضوح في الفلسفة التي أصبح المنطق فيها بديلا عن نظرية العلم وسابقا على الطبيعيات والإلهيات، فهو آلة العلوم كلها تكريسا لبقاء الطبيعيات في نظرية الوجود، وهذا ما حاولنا قطعه فيما سبق.

لقد بدأت نظرية العلم بذلك في الاختفاء من المؤلفات المتأخرة وعصر الشروح، وأصبح الواجب الشرعي بديلا عن الواجب النظري، فاختفى النظر وبقيت الشعائر. وبدلا من إحكام النظر انشغلوا بعد العقائد، هل يؤمن المؤمن بخمسين أم بعشرين عقيدة!

35

لقد تقلص الفكر الموضوعي وتبخرت الطبيعيات، حتى كان الاغتراب التام عن الطبيعة، والانتقام منها بنفيها أو هدمها.

لعل الإمام الشيعي المعصوم أو الزعيم ... المعلم، أمير الجماعة ... كلها بدائل لنظرية العلم أكدت اختفاءها، الذي تفاقم في بعض الحركات السلفية التي برزت أخيرا، لتبلور خطورة تراجع نظرية العلم، وخطورة تجمد حركية التجديد وتقوقع الموروث على ذاته، حتى يستطاع إلباس الدين ثوب الإرهاب وترويع الآمنين! ولله في خلقه شئون!

وفي كل هذا، ماذا عسى أن يفيد علم الكلام الجديد؟ وكيف له أن يتجه إلى المستقبل، إن لم ينفض كل غبار لتراجع الطبيعيات ونظرية العلم وصيرورة التجديد، ويرم بكل ثقله على تلك العناصر التي تم تعيينها - في نظرية المعرفة - ثم تطويرها، ليتشبع وعي المسلم المعاصر بأصوليات المنهج العلمي كأسلوب لمواجهة العالم المعلوم، وليس فقط العالم العلامة، وبأن النظر في العقائد ... علم الكلام أو علم التوحيد ... يفضي إلى الاضطلاع بإشكاليات الطبيعيات المعرفية، كحق وكواجب وكشرف وكحياة ... ومن قبل ومن بعد كتحقيق لرسالة الوحي.

بهذه الخلفية الأيديولوجية يمكن أن ينهض الإنسان العربي المسلم ليلحق بعجلة التاريخ، ويجد لنفسه مكانا في بانوراما المستقبل. •••

لو استطاع علم الكلام أن يفعل هذا لكان حقا أيديولوجيا مستقبلية تثبت وجود الإنسان المسلم.

في عصر الفيزياء التيوتونية الكلاسيكية ساد المنهج الاستقرائي، الذي يبدأ من الملاحظة ثم يعممها في فرض واختبار هذا الفرض ... ولا حاجة إلى الإنسان المبدع الخلاق، حتى أكد بيكون أن البحث العلمي متاح لذوي العقول المتوسطة. انهار المنهج الاستقرائي، وانهارت مثل الفيزياء الكلاسيكية الآلية الحتمية، بثورة النسبية والكمومية (الكوانتم) في مطالع القرن العشرين، واتضح أن المنهج التجريبي هو المنهج الفرضي الاستنباطي.

فلن يبدأ البحث العلمي إلا بفرض يبدعه ذكاء العالم، يهبط منه إلى وقائع التجريب ليختبره، وتبعا لنتيجة الاختبار يقبله أو يعدله، أو يرفضه ثم يتلوه فرض آخر أنجح ... وهكذا في متوالية التقدم، فليس العلم الطبيعي اكتشافا لحقائق،

36

بل محض سلسلة من فروض ناجحة.

وكما يقول فيرنر هيزنبرج - أبو مبدأ اللاتعين الخطير: إن أي نظرية من نظريات العلم الفيزيائي ليست سوى حلقة من السلسلة اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٥٥