تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يصعب اعتبار محنتنا الراهنة أمرا طارئا، إذا تذكرنا كتاب الإمام جلال الدين السيوطي (911ه): «التنبئة بمن يبعث الله على رأس كل مائة»، وهو يقوم على أن المحن الاجتماعية تقتضي التجديد، جبرا لما حصل من الوهن بالمحن. إنهم يعدون محن الظلم السياسي والاجتماعي على رءوس المئين، فيذكرون الحجاج ومحنة خلق القرآن، وخروج القرامطة وأفاعيل الحاكم بأمر الله، واستيلاء الفرنج على كثير من البلاد الشامية ومن بينها بيت المقدس ... ويعدون على رأس كل قرن محنة.

5

وحينما تكون المحنة دهماء - من قبيل استيلاء الفرنج على بيت المقدس - فإننا نجد أستاذ الأصوليين في التجديد وأستاذ المجددين في الأصولية الشيخ أمين الخولي يفضل مجددا في أصول العقائد - هو متكلم - على مجدد في الفروع والعبادات - هو فقيه.

يعترض أمين الخولي بشدة على قول لشيخ الأزهر يقصر فيه التطور على أحكام العبادات، وينأى به عن الأصول والعقائد، مؤكدا أن التطور سنة شاملة، والقرآن يقرر أنه بالتغير يعامل المتغير، فيقول الخولي: «كل شيء يتغير مع الزمن، لا سيما المتطاول منه، تتغير صورته الذهنية ومفهومه العقلي، ويتغير تبعا لذلك وقعه على النفس، ويتغير أيضا التعبير عنه والتمثل له، وكل أولئك تغيرات تطرأ على أي شيء، ويجب على صاحب الدين أن يقدرها، فيغير تعبيره وعرضه واستدلاله.»

6

إن التغير وبالتالي التجديد سنة مقررة، وأصل ثابت بينه الرسول.

7

الإمام السيوطي يستهل كتابه المذكور «التنبئة» بقوله: «الحمد لله الذي خص هذه الأمة الشريفة بخصائص واضحة للمجتهدين، وبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر الدين.» ويقول: لا يجوز خلو العصر من مجتهد، واستعاذ بالله من صيرورة الأمر إلى هذا الحد!

8

ولما كان التغير والتجديد أصلا ثابتا في العقيدة، فإنه بدوره أمر واقع في الحياة الاعتقادية إبان القرون الأولى للحضارة الإسلامية وعصرها الذهبي، حيث تتكشف اختلافات، بل صراعات جمة حول العقيدة؛ ومن العقائد ما بلغ الاختلاف حولها حد سفك الدماء كالذات والصفات وخلق القرآن. وبالطبع ليس مثل هذا التغيير - ولا موضوعاته أصلا وفروعا - هو المنشود؛ ولكن المهم - كما يقول أمين الخولي - أنه بيان لإمكانية الاختلاف، وبالتالي قابلية التطوير والتجديد، فينتهي الخولي إلى أن: «تطور العقائد ممكن، وهو اليوم واجب لحاجة الحياة إليه، وحاجة الدين إلى تقريره.»

9

والتجديد قد يكون دوريا مع التغيرات الدورية، وقد يكون جذريا مع المحن عند رءوس المئين، وعن مثل هذا التجديد الجذري المستجيب لاحتياجات الواقع، يقول الخولي: «إن ذلك التجديد في رءوس القرون هو العمل الثوري الكبير الذي تحتاجه الأمة، كأنما هو ثورة اجتماعية دورية يقوم بها عارف بالحياة متصل بها وعميق الفكرة عنها.»

10

وتحتاجه الأمة الآن أكثر من احتياجها إياه في أية مرحلة أخرى، أو على رأس أية مائة سابقة، هجرية أو ميلادية، وفي مواجهة جحافل التبعية والاستسلام التي استهللنا بها الحديث تلح الحاجة إلى إعادة قراءة أصولنا الدينية قراءة تاريخية علمية وتجديدية، لا أن ننفصل عنها أو نتنكر لها، إمعانا في الاستسلام والتبعية، هذا ما يمليه واقعنا، ومن زاوية الفكر: «الدين يبقى في حاجة دائما إلى فكر ثوري الطبيعة والمناهج؛ ليحدث فيه الثورة من داخل، خصوصا متى كانت عناصر الثورة في أصوله نصا ومنهجا وممارسة. وهي كذلك في الدين الإسلامي ... عنيت بها العقلانية والعلمية والاجتهادية ... غير أن السياسة التي سادت باسم الدين كممتها وأطفأتها ضمانا لصالح أربابها.»

11

وقد بات من الضروري إحياؤها؛ استنقاذا للوعي وللشخصية القومية. من الضروري تجديد منطلقاتنا الفكرية كي تشق طريقها نحو المستقبل.

إن التجديد ينصب في الموقفين القومي العروبي والإسلامي على السواء، فالعروبة تقع من الإسلام موقع سويداء القلب، والإسلام يقع منها موقع آفاق الروح، والامتداد الحضاري. الأهم أن كليهما - القومي والإسلامي - ينطلق موتورا من نفس الميراث الاستعماري، ويرابض في نفس خندق مواجهة التغريب وذوبان الشخصية والخصوصية في محاولات الغرب الدءوبة لاستقطاب العالم بأسره تحت لواء ثقافته التي يجد في الزعم بأنها عالمية.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٤