التقانة (التكنولوجيا) بلا جدال نتيجة العلم البحت، وترتبط به ارتباط الثمرة بجذع الشجرة، لكن اللافت حقا أن العقود الأخيرة شهدت تمايزا وشيئا من الانفصال بين نشاط البحث العلمي وبين نشاط التطوير التقاني، وبينما يظل العلم البحت فوق كل خصوصيات أيديولوجية، يمكن أن تترك هذه الخصوصيات بصماتها على أنشطة التطوير التقاني، ولا رؤية - أو رؤيا - مستقبلية دون المساهمة في الاثنين معا؛ العلم والتقانة، ومن منا لا يحلم بغد نساهم فيه بنصيبنا في البحث العلمي، لتنساب نواتجه التقانية في ربوعنا، عاملة على تحقيق أهدافنا.
وحينما يأتينا هذا الغد العلمي السعيد، مثلما أتى للصين أو الهند أو حتى للبرازيل، ونرى قلاعنا التقانية (التكنولوجية) تدور رحاها ليلا ونهارا من أجل تحقيق أهدافنا الأيديولوجية، يمكن أن يحدث العكس، وتترك خصوصياتنا بصماتها على أهداف التقانة، أو مسار تطويرها. «فالقوتان الحاكمتان للنشاط التكنولوجي اليوم هما الربح الفردي والنشاط العسكري، وكلاهما مشكوك في صلاحيته لتحديد هذا المسار.»
11
فهل يمكن في مستقبلنا المأمول أن تحكم أيديولوجيتنا التطور التقاني بناء على قيم التوحيد وعمران الأرض واستخلاف الإنسان.
يبدو أن هذا الحديث سابق لأوانه، ففي دراسة عن «هدر الإمكانية» كان هدف تحقيق «تحرير تقني» عربي بحلول عام 2000 أدنى نسبة لاحتمالات التحقيق من بين ثلاثة عشر هدفا مختلفا.
12
أليس يدعونا هذا إلى تكثيف الجهد للحاق بمسيرة الطبيعيات المعاصرة، علومها وتقاناتها على السواء، التي أصبحت ذات مردود وعائد يجعلها أهم مصادر الدخل القومي للدول الغنية المتقدمة، التي تعاني مشكلة الفائض في ميزان المدفوعات، مثل اليابان وألمانيا وكندا؟! •••
إن خدمة العلم الطبيعي للمشروع الأيديولوجي كما تتمثل في نتائجه وتطبيقاته - أي التقانة - تتمثل أيضا وقبلا في أصله ومنطلقه، هيكله وعماده - أي المنهج العلمي.
المنهج «العلمي»
Scientific
هو البعد الغائب المفتقد حقا في أيديولوجيتنا ... في ثقافتنا وطرائق تفكيرنا وعوائد سلوكنا وسمات شخصيتنا القومية، بل وحتى سمات شريحة الإنتلجنسيا فينا.
واحتياجنا لعلم كلام جديد هو عينه احتياجنا لأيديولوجيا ثورية تهيئ لخلق إنسان عربي مسلم جديد. أهم مهامها توطين المنهج العلمي في حس الجماعة بأن تزرعه في ثقافتنا وتجذره في تربتنا، لنتمرس على مواجهة الواقع الصلب العنيد الذي يتأبى علينا ونفشل في تطويعه، فنستورد دائما حلولا لمشاكله، في استنزاف للموارد وتعويق للنماء والتقدم، والمطلوب الخروج بالمنهج العلمي إلى الآفاق الأيديولوجية، فلا يقتصر على المنظور الترانسندانتالي المتعالي للثقافة كموضوع للحوار بين صفوة المثقفين أو أبحاث بعض المتخصصين، بل تشريب المواطن بآفاق المنهج ليغذو أسلوبنا في الإنشاء وفي الإدارة، في التخطيط والتنمية، في الإنتاج وفي الاستهلاك، في مواجهة وقائع الحياة اليومية.
فليس منهاج العلوم الطبيعية - أي المنهج الفرضي الاستنباطي - إلا تجسيدا لطريقة التفكير المثمرة السديدة، للعقل حين ينطلق بمجمل طاقته لوضع الفروض العلمية، لكنها دونا عن كل انطلاقات العقل ملتزمة بمعطيات الواقع، ما تنبئ به التجربة، لتتعدل الفروض أو تقبل أو ترفض وفقا له، فالتجربة اختبار للفرض، ناقد قاس لا يعرف الرحمة في تعيينه لمواضع الخطأ والقصور، قاض حاتم ذو حكم موجب النفاذ، إنها المسئولية العسيرة أمام الواقع والوقائع التي لا يقوى على الاضطلاع بها إلا المنهج العلمي، فهو التآزر الجميل المثمر الخصيب بين العقل والحواس، اليد والدماغ، الفكر والواقع، إنه العقلانية التجريبية.
هكذا يستقي المنهج العلمي أرومته من قلب معامل العلماء ومعترك كفاحهم الضاري والنبيل، لكنه ينصب في قلب البناء الحضاري ليس البتة كتقنية خاصة بذوي الاحتراف، بل كبلورة للتفكير الملتزم بالواقع وبالانتقال من المشكلة إلى محاولة حلها، لتعقيل السير نحو الهدف، للوسيلة التي امتلكها الإنسان للسيطرة على واقعه الأولي المعاش - الطبيعة - وسبيل الظفر في خضم هذا العالم الواقعي ومشكلاته، وهو لهذا يعد أكثر من ضروري، يفيد أيديولوجيتنا إلى أقصى الحدود ... أو إلى أقصى آفاق المستقبل.