تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Science

فقد وضع أولا من أجل العلوم الطبيعية (الفيزيوكيماوية) بمناهجها التجريبية الصارمة ولغتها الرياضية المحكمة، ثم امتد ليشمل علوما أخرى، حيوية ثم إنسانية، استطاعت أن تحذو حذوها.

فهو مصطلح صيغ للدلالة على نشاط نام حديثا في نسقية صاعدة واعدة، تجعله مختلفا عن كل ما سبقه، هذا النشاط التخصصي جدا - حتى إنه هو الذي علمنا معنى التخصص - له موضوع محدد جدا ومعايير ومثاليات خاصة ترسم له حدودا حاسمة، كان من الأجدى تعيينه بأي مصطلح آخر، ليكن «س» أو «ص» أو «ل»، ونترك مصطلح «علم» لرحابة آفاقه في حضارتنا أو أيديولوجيتنا، ككل شامل

Science

وما سواه.

ولأنه لم يحدث مثل هذا التحديد المصطلحي في مجمل حضارتنا (في جامعة القاهرة العريقة: كلية العلوم وكلية دار العلوم) يتسم مصطلح العلم لدينا بالميوعة التي تنعكس في ميوعة وضع «العلم» في أيديولوجيتنا، لدرجة تستدعي الملام.

وليس المناط في الملام ولا في العتاب، فنحن بإزاء نسق «العلم» الطبيعي الذي يتعملق في متوالية. لقد تعاظم شأن مشروعه، وتعقدت آلياته التخصصية ومناهجه البحثية، وترسمت شرائعه ونواميسه، التي لا تقبل إلا التكرس والتبتل من كل من أراد المساهمة بنصيب في النماء والتقدم المتواصل، ولم يعد من الممكن بحال اعتبار العلم

Science

مسألة فرعية، لتستوعبها الأيديولوجية ببساطة؛ فإن لم تتأهب الأيديولوجيا بقضها وقضيضها لوضعية العالم الطبيعي بالذات، فإنها في هذا العصر تحكم على نفسها بالفناء وتستدعي نوعا من الانتحار الجماعي البطيء في عصر أصبح شعاره - كما قيل بحق: «البقاء للأعلم.»

8

وإن لم تتعايش الأيديولوجيا بجذور وأصول وعمق وهم حقيقي مع التقدم العلمي المتسارع واكتفت باستيراد واستهلاك منتجاته في دوامة لا تحمل إلا الهلاك لموارد الدخل القومي، فلن يعني هذا في النهاية إلا التخلف عن العالمين والسقوط من ركب التقدم، ومعدلات التنمية المنخفضة، لنتسول رغيف الخبز ودواء المرضى ووسيلة الاتصال ... من الدول أو من الأيديولوجيا التي لا تعرف قصورا في النظرة العلمية، وترعرع في أفيائها المنهج الحديث، أو بالأحرى ترعرع تقدمها في أفياء المنهج العلمي. •••

إننا الآن بصدد قضية محورية هي تحديد علاقة الأيديولوجيا بالعلم، وناهيك عن تحقيق العلاقة المثمرة بينها وبين العلم الحديث والمنهج العلمي، وهي ليست قضية بسيطة أو تقبل طرحا مباشرا، فلئن كان ضروريا أن تتأهب الأيديولوجيا دوما للواقع العلمي المتسارع، فإن الأيديولوجيا ذاتها ليست علما ولن تكون، ولعل الانهيار المدوي للأيديولوجيا الماركسية بعد أن أسرفت في التمسح بالمسوح العلمية خير شاهد.

أما ونحن نتحدث عن العلم كما يتمثل في نموذج العلم الطبيعي، فإن هذا يبلور إلى أي حد تقف النظرة العلمية موقف الضد الصريح للنظرة الأيديولوجية، من حيث أن هذه الأخيرة هي التي تؤدي إلى التباين الشديد في الآراء، وتجعل نفس الموضوع يراه الناس بطرق مختلفة جدا،

9

بينما النظرة العلمية تقف في موضوعها على المعامل المشترك بين الذوات أجمعين، وتطرحه بصورة يتفق عليها جميع راصديه، وإلا لما كان طرحا علميا أصلا، فضلا عن أن الأيديولوجيا، كما أوضح

الفصل الأول ، تتضافر مع اليوتوبيا وتصور ما ينبغي أن يكون. والحالة الذهنية تكون يوتوبية أو طوباوية حين تتعارض مع الأمر الواقع الذي تحدث فيه.

10

بينما العلم ينصب فقط على الواقع، وليس له الحق إطلاقا في تجاوزه.

وإن كان العلم بالطبع يخرج بنتائج وفعاليات تفيد، بل هي ضرورة في تحقيق ما ينبغي أن يكون من طوباويات الأيديولوجيات.

كل طوبي في عالمنا النامي أو المتخلف الفقير، كل أيديولوجيا تنويرية له، تكون طوبى ونهوض بقدر ما تلتحم بالحلم العلمي التقاني.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٤٦