لا تجديد مغنيا للتراث، لا بحث فعالا عن مستقبل لعلم الكلام، لا تنوير ولا تثوير في أيديولوجيتنا، إن لم يعمل هذا على إزالة العوائق التي تحول دون تسرب المنهج العلمي إلى ثقافتنا وشخصيتنا القومية. أهم هذه العوائق وأخطرها وأساسها الذي يتمخض عن بقيتها هو النظرة التغريبية للعلم ومنهجه، فصياغته جاءت كنتاج للحضارة الغربية، وبالتالي يتم اكتسابه على حساب أصالتنا وخصوصيتنا الأيديولوجية، هذا في حين أن المنهج العلمي التجريبي أجل صيغ وتبلور في الغرب، لتمثل نشأته في حضارتهم قطيعة ونقلة محورية، لكن فقط بالنظر إلى طبيعة الحقبة الأوروبية السابقة، الحقبة الوسيطة التي رأت الانشغال بالمادة عارا وشنارا، وليس الأمر هكذا في الحضارة الإسلامية التي كانت حاملة للواء التجريب والمنهج العلمي آنذاك.
وإذا كان الغرب قد استغل نقلته المحورية صوب التجريب أعمق وأروع استغلال، فليس يعني هذا أنهم خالقوه أو محتكروه، ويخبرنا تاريخ العلم بدور العرب في خلق فصول من قصته، ودوره في خلق فصول من قصتهم.
وتتقدم فلسفة العلم لتعلمنا كيف أن المنهج العلمي التجريبي مجرد تطوير وبلورة لفعالية مفطورة في صلب العقل البشري من حيث هو عقل، ومن حق وواجب البشر أجمعين - ليس الغرب فحسب - تسخيره واستغلاله في كل جزئية من جزئيات الواقع.
إن المنهج العلمي يحوي قيما منشودة في أيديولوجيتنا من قبيل التخطيط والتفكير الملتزم والإبداع، والتنافس لحل المشاكل في تعددية الرأي والرأي الآخر، ثم الالتجاء إلى محك الواقع المشترك بين الذوات أجمعين للفصل بين المتنافسين، والأهم البحث الدءوب عن الأخطاء والقصورات في كل محاولة، والمجال المفتوح دوما للمحاولة أو النظرية الأقدر والأجدر والتقدم الأعلى، وبالتالي الاحتمالية والنسبوية، فلا شيء مطلق أو يقيني، وليس ثمة حقيقة نهائية تتخذ مبررا لكبح انطلاق العقول وفرض الوصاية على البشر.
13 •••
إذن؛ أيديولوجيتنا يمكنها، بل يجب عليها، الاستفادة من العلم الطبيعي المعاصر، ليس فقط صلب مساره الناشر للضوء الكثيف، بل أيضا من طرفيه الأقصيين: المنهج والتقانة.
ولا سبيل إلى الاستفادة ما لم ندرك الإبستمولوجيا العلمية في حد ذاتها كفاعلية عقلية شقت طريقها المظفر، مستقلة تماما عن الأيديولوجيا والطوباوية وما سواهما، هذا الاستقلال لهو أخص خصائصها؛ حتى إن معيارها - معيار القابلية للاختبار التجريبي أو التكذيب، الذي يفرق في الحديث عن العالم بين ما هو علمي وما هو لا علمي - يرسم حدودا صارمة حول القضايا العلمية التي تحمل مضمونا إخباريا وقدرة تفسيرية وطاقة تنبؤية فقط عن وقائع العالم التجريبي، وهي حدود يستحيل أن يتخطاها ما لم يحمل مثل هذه الوظيفة المحددة للعلم الطبيعي؛ أي لا تتخطاها مثلا قضايا الدين والميتافيزيقا والفلسفة والفن والمشاريع الأيديولوجية والأخلاق المعيارية ... بعضها أهم وأعلى وأكثر فعالية من العلم
14
لكنها ليست علما
Science ، فهي غير قابلة للاختبار التجريبي أو التكذيب، وليس مطلوبا منها أن تقبله؛ لأنها تقوم بوظائف أخرى، وليس بوظيفة العلم التي تتجسد عينيا في السيطرة على الظاهرة الطبيعية، ومعيار التكذيب شهادة الصلاحية للقيام بهذه الوظيفة، إنه معيار العلوم الطبيعية، وفي نفس الوقت الخاصة المنطقية المميزة إياها، من حيث إنه الإطار الضام لمجمل منطقها أو الأصل الذي ترتد إليه، أو يمكن أن نشتق منه كل قضاياها المنهجية، كما أثبتت فلسفة كارل بوبر. ولأن فلسفته محض تطبيق لهذا، عد شيخ فلاسفة العلم الطبيعي في القرن العشرين، إلى كل هذا الحد تفرض الإبستمولوجيا العلمية الطبيعية استقلالها.
أما إذا كانت أيديولوجيا الحضارة الغربية قد اتخذت منها بشكل ما أحد مراكزها، فذلك موضوع آخر، إنه اختيارهم الذي لا يلزمنا بشيء، وليس من الضروري أن نتمركز مثلهم حولها، لكن من الضروري جدا جدا أن نعطيها كامل حقها، معترفين باستقلاليتها، التي تستلزم فريقا بل جيشا من الباحثين يتكرس لها في حد ذاتها.