هذه السيطرة الإسلامية عزلت أوروبا عن مصادر الثروات التجارية، فتدهور اقتصادها ليبدأ عصرها الوسيط. والدليل على هذا - فيما يرى بيرن - أنه انتهى باكتشاف إيطاليا لطرق برية إلى الصين في القرن الثالث عشر، واكتشاف البرتغال لرأس الرجاء الصالح، ووصولهم إلى شرق آسيا دون الاحتكاك بالمسلمين. وبالمثل يقول مؤرخ العلم الكبير
J. J. Crowther : «بقضاء المسلمين على الملاحة المسيحية في البحر الأبيض المتوسط قضوا على التجارة الخارجية والمواصلات في غرب أوروبا، وذبلت موان كثيرة مثل مارسيليا ومدن تجارية على الأنهار في داخل البلاد؛ لانعدام موارد التجارة، وتلاشي ما بقي من الحكومة المركزية الرومانية، وأغلقت مكاتب الإدارة والمحاكم والمدارس والمحطات القديمة، واختنقت دعائم النظام الإمبراطوري، ولم يبق من الطبقات الاجتماعية إلا كبار الملاك أبناء الأعيان وقوم بعضه من الفلاحين وبعضه من الأحرار المرتبطين بالأرض، وماتت الصناعة لعدم تموينها بما تحتاج إليه، وانتهت حركة الإنشاء والعمل إذا استثنينا الحاجيات الضئيلة التي تتطلبها الحياة المنزلية، وبذلك لم يعد هناك من حاجة لطلب العبيد - الآلات الصحيحة للعمل - وأصبحت الحالة لا تتطلب إلا المشتغلين بالزراعة ...»
2
على الإجمال سجى على أوروبا عصرها الوسيط.
منذ ذلك الزمان البعيد والحضارة الغربية تدرك خطورة أي تفوق عربي إسلامي، وتشهر العداء بالحملات الصليبية التي بدأت في القرن الحادي عشر، «وتشكل العدوانية العنصرية الصهيونية الحلقة المعاصرة من هذه الموجة.»
3
ويعلم الله وحده متى ستنتهي حلقاتها بعد أن ساد مؤخرا الحديث عن الثقافة باعتبارها المحور الأساسي للصراعات الدولية القادمة، فاعتمدت السياسات الغربية منذ مطالع التسعينيات في القرن العشرين ما سمي «بالحرب الثقافية»
4
ضد الثقافات المغايرة على العموم، والثقافة الإسلامية على الخصوص؛ بهدف تحجيمها والحيلولة دون احتلالها ناصية العلم والتقانة (التكنولوجيا). وفي تفسير هذا تتقدم دراسات إدوارد سعيد لتجيب على السؤال: لماذا كان الإسلام فقط هو الدين الوحيد الذي يمثل تقدمه ونهضته تهديدا خطيرا للحضارة الغربية وسطوتها وقيمها؟
وتشهد أواخر المائة التي تمثل القرن العشرين كارثة الخليج التسعينية، التي لا تقل بشاعة عن كارثة السابع والستين؛ إذ يممنا الأبصار شطر العواقب الوخيمة والنتائج الوبيلة. وعلى كثرة تناحرات العرب وتطاحنهم، بل وتقاتلهم منذ حرب البسوس وحروب القبائل في الجاهلية، حتى الفتنة الكبرى وحروب الدويلات الإسلامية، وصولا إلى حزيران الأسود وأيلول الأسود وآب الأسود ... وكل شهور العرب السوداء، بلون الظلام والتخلف، بلون البغضاء والفرقة بين الأشقاء ... على كثرة هذا كانت مأساة الخليج كارثة لم يكرث التاريخ بمثلها من قبل.
وقد توالت تداعياتها المريرة، وأخطرها إصابة القومية بطعنة نجلاء، فتراجعت الوحدوية كحلم وكواقع، كأيديولوجيا وكطوبى لصالح القطرية. ويبقى أمر تداعياتها في حلوق المثقفين وكل مهموم بوعي الأمة، إنما هو تلك النزعة الانهزامية إزاء الحضارة الغربية، والتي بلغت حد السير في ركاب المشروع الصهيوني تلمسا لعوامل الاستقرار والنماء! في حضارة شرق أوسطية لا غربية ولا عربية، لتكتسح بقايا المخلفات القومية. وبعد طول النضال ضد الاستعمار ومباركة الكفاح من أجل الاستقلال ... صارت الهيمنة الغربية تجلب وتشترى، وصرنا نتوخى سبل الاستسلام لها كي تحل صراعاتنا ومشاكلنا، وكأننا نتشبث بموقع على هامش الحضارة الغربية، لنلتقط فتات موائدها، دون مشاركة في صنع صنوفها الشهية البهية.
شهد القرنان الماضيان عزما وحماسا للإحياء والتجديد والتنوير والتثوير، وقد علا الوطيس في أعقاب ثورة 1919، وشهد أجواء مواتية في العصر الذهبي لثورة يوليو قبل فاجعة 1967. وعلى أية حال كان قد استمر دائما بدرجات متفاوتة، ثم أوشك أن يخبو الآن، وتطفو على السطح نوبات تشنج الفرار المخبول إلى الماضي بقضه وقضيضه، وتتزايد حميتها، ربما كرد فعل عكسي للأحداث التي تترى ترسيخا للتبعية للغرب والدوران في فلكه، لا سيما بعد انهيار القوة العالمية المناوئة؛ الاتحاد السوفييتي. يحدث هذا في أواخر المائة الميلادية العشرينية، التي تشهد مراكز توهج حضارية أخرى في شرق آسيا، تغلبت على أوروبا وأمريكا في معدلات التنمية والتنهيض. •••