ثم يأتينا الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا (370-428ه/980-1037م) بفلسفة طبيعية أنضج نسبيا في تسخيرها لنظرية الفيض، لم تبرأ من تهاويم التنجيم المهيمنة، لكن تخلو من تلك الملامح الطفولية، وتخلو أيضا من الإبداع أو إضافة ذات بال عما قاله المعلم الثاني الفارابي. ينقل ابن سينا عن الفارابي ترتيب الموجودات في فيضها عن الله نقلا حرفيا.
هاجم بضراوة طبيعيات المتكلمين، وقال: إن العالم - كما علمنا أرسطو - مكون من مادة وصورة لا من جواهر فردة، ومثلما رفض أرسطو ذرية ديمقريطس، رفض ابن سينا نظرية الجوهر الفرد ونقدها نقدا عسيرا،
24
خصوصا من زاوية التناهي واللاتناهي، وحاول تفنيد اللاتناهي في كل تطبيقاته.
25
وبالمثل نقد الكمون والطفرة عند النظام، وقد فصل الدكتور عاطف العراقي هذا النقد.
26
لقد سار ابن سينا سيرة الكندي والفارابي - وتقريبا كل حكماء الإسلام - في أطر القوالب الأرسطية، وكأنها هيكل الوجود والمعرفة على السواء. رأى ابن سينا العالم قديما ومخلوقا، العالم قديم بالزمان لكنه مخلوق بالذات؛
27
لأنه ممكن الوجود، وبالتالي يحتاج في وجوده إلى واجب الوجود ... إلى الله، وفي النهاية لم يكن أكثر ولا أقل من قرنائه في توجيه الطبيعيات متجها إلهيا؛ حتى إن فلسفته الطبيعية تكاد تكون موزعة بالعدل والقسطاس بين كتاباته في الطبيعيات وكتاباته في الإلهيات، تماما مثلما اختلطت مباحث الفيزيقا بالميتافيزيقا في كتابات أرسطو؛ فليست الفلسفة الإشراقية هي وحدها الملومة؛ لأنها هي التي نبتت من تراب الشرق، إذ يبدو أرسطو ملوما كعلة لتلك الجنوحات التي لا بد وأن يرفضها منظور فلسفة العلوم.
ولأن ابن سينا انتظم في سمت التفلسف، شيخا للحكماء ورئيسا للفلاسفة؛ أي كان فيلسوفا بالمعنى الأتم، فإن نظرية العلم عنده هي الكاشفة عما يبحث عنه في فلسفته. وقد قسم العلوم نفس التقسيم الأرسطي لها إلى عملية ونظرية؛ العلوم العملية هي التي نعمل بها، وتنقسم إلى ثلاثة: مدنية ومنزلية وخلقية، أو سياسية واقتصادية وسلوكية؛ أما العلوم النظرية فهي المتعلقة بأمور لنا أن نعلمها وليس لنا أن نعمل بها، وهي الطبيعيات والرياضيات والإلهيات.
28
موضوع الطبيعيات أو الحكمة الطبيعية في الحركة والتغير؛ أي الأشياء الواقعة تحت الحواس - الكون الفيزيقي - وتماما كما قال أرسطو وتبعه الكندي والفارابي الأقسام الأصلية للحكمة الطبيعية ثمانية هي: (1)
المبادئ العامة كالمادة والصورة، وإثباتها للمحرك الأول. (2)
الأركان؛ أي السماوات المرادفة للعالم؛ لأنها تحوي الأشياء الطبيعية كلها، والعناصر الأربعة . (3)
الكون والفساد والتوليد والنشوء والبلى والاستحالة ولطيف الصنع الإلهي في ربط السماوات بالأرضيات. (4)
أحوال العناصر الأربعة قبل الامتزاج لما يعرض لها من أنواع الحركات والتخلخل والتكاثف، بتأثير السماوات فيها، فنتكلم بالعلامات والشهب والأمطار والرعد والرياح والزلازل والبحار. (5)
المعادن. (6)
النبات. (7)
الحيوان. (8)
النفس والقوى المدركة في الحيوانات خصوصا الإنسان، وتبيان أن النفس الإنسانية لا تموت بموت البدن، وأنها جوهر روحاني إلهي.
29
هكذا، في تلك الأقسام الأصلية للحكمة الطبيعية لم يلق ابن سينا أدنى صعوبة في توجيه التقسيم الأرسطي نحو المتجه الإلهي. إن القسم الأول يتعلق بالمحرك الأول، والثامن الأخير يتعلق بالجوهر الروحاني الإلهي، لتدور الطبيعيات في الدائرة الثيولوجية المغلقة.
أما الأقسام الفرعية للحكمة الطبيعية فلن تغير شيئا، لا من النظرة الأنطولوجية ولا من النظرة الإبستمولوجية، فهي الطب وأحكام النجوم والفراسة وعلم التعبير والاستدلال على الغيب، والطلسمات والنيرنجيات والسيمياء لتحويل المعادن إلى ذهب وفضة.