20
هكذا ببساطة يكتمل تصور الوجود الطبيعي في إطار أو شكل نظرية الفيض اليونانية التي امتلأت بالمضمون الإسلامي، على أن نظرية الفيض اكتست معهم أيضا بأردية فيثاغورية، فهم يقولون «برأي فيثاغورس الحكيم»: «إن طبيعة الموجودات بحسب طبيعة العدد، فمن عرف العدد وأحكامه، وطبيعته وأجناسه وأنواعه وخواصه، أن يعرف كمية أجناس الموجودات وأنواعها وما الحكمة في كمياتها على ما هي عليه الآن.»
21
فجعلوا العدد أساس فلسفتهم. ونسبة الباري إلى الكون كنسبة العدد واحد إلى الأرقام والعقل 2، والنفس 3، الهيولي 4، الطبيعة 5، الجسم 6، الأفلاك 7، الأركان 8، المولدات 9.
الفيض ليس في ثلاث درجات كما رأى أفلوطين، بل هو في تسع، ليس بسبب تاسوعاته، إنما لأن الرقم 9 آخر مرتبة الأرقام الآحاد، وكذلك المولدات آخر مرتبة وجود الكليات، ثم نجد المعادن في مرتبة العشرات والنبات كالمئين والحيوان كالآلاف فتكتمل دائرة الأرقام المعروفة آنذاك، وتكتمل دائرة الوجود الأنطولوجي المتجه نحو الثيولوجيا.
ويمكن ملاحظة هذا التسلسل لدرجات الفيض التسع في النص المقتبس، ونتوقف عند الرقم 3، النفس الكلية الفلكية، فهي الطريق الذي تسلكه الطبيعيات لتتجه، بل لتنصب توا في الإلهيات، مستعينين بتراثهم الزاخر في التنجيم، وها هنا مناط إبداعهم، وكان توجيه الطبيعيات إلى الإلهيات همهم الأول وشغلهم الشاغل؛ فكيف كان ذلك؟
يجعل التنجيم دوران الأفلاك محددا لكل شيء في عالم البشر وعالم الطبيعة على السواء، حتى إنه العلة الصورية التي تجعل من العلة الهيولانية (الزئبق والكبريت) جواهر المعادن. ودوران الفلك يدوم ما دامت النفس الكلية مربوطة معه، إذا فارقته توقف دوران الأفلاك وقامت القيامة.
22
الطبيعة أو الطبائع ليست إلا قوة النفس الكلية الفلكية ، وهي قوة روحانية فاضت من العقل فيضا سرورا متصلا، بتأييد أبدي ودائم من الباري، وهي قوة سارية في جميع الأفلاك التي دون فلك القمر. باق أن نعلم أن «الباعث للنفس الكلية إلى إدارة الفلك وتسيير الكواكب هو الاشتياق منها إلى إظهار تلك المحاسن والفضائل والملاذ والسرور التي في عالم الأرواح، التي تقصر ألسن الوصف عنها إلا مختصرا كما قال تعالى:
وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ».
23
هذا من الناحية الأنطولوجية التي هي الجوهر والأساس والآية.
ومن الناحية الإبستمولوجية أيضا العلماء نفوس جزئية خادمة للنفس الكلية. الفلاسفة أطباء النفوس، غرضهم نجاة النفوس الغريقة في الهيولي وإخراجهم من هاوية الكون والفساد، وإيصالها الجنة عالم الأفلاك وسعة السماوات بتذكيرها ما قد نسيت من أمر معادها.
هكذا كان توجيه الطبيعيات نحو الإلهيات المهمة المنوطة بالفيض والنفس الكلية الفلكية، وهما صلب نظرية الوجود لتساهم معهما مجامع علم التنجيم. إن التوجيه اللاهوتي يكاد يكشف عن نفسه في كل سطر وأحيانا كثيرة يأتي بصورة ساذجة، كأن تكون الظواهر الفلكية بشارات أو نذر ليرتدع العصاة، فضلا عما يستنطقون به الدواب والطير والهوام، واسترسالهم في هذا وكأنهم يكتبون للأطفال، ولا يفوتهم أبدا لي عنق كل مبحث طبيعي في نهايته ليصب لا في المتجه الإلهي فحسب، بل في متجه وعظي إرشادي سطحي، حتى إن رسائلهم في الطبيعيات تكاد تذكرنا ببرامج العلم والإيمان في الإذاعة المرئية الآن.
ثم إنهم - كفلاسفة - بوجه عام يفسرون الطبيعيات في إطار العلل الأرسطية الأربع: الهيولي والصورة والفاعل والغاية. والفاعل هو العلة الأولى ونقطة البدء، أما العلة الغائية فهي السهم المنطلق توا إلى الإلهيات، فتدور الطبيعيات من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس في الدائرة المغلقة، التي لم يفتح الانتقال من الكلام إلى الحكمة طريقا للخروج منها ... فلا فرق. •••