وحين ننتقل إلى الرياضيات نجد أقسامها الأصلية هي العدد والهندسة والفلك والموسيقى، لكل منها فروعه في الأقسام الفرعية للرياضيات. أما أقسام العلوم الإلهية، فإنها الإعلان الصريح والبيان الفصيح عن المتجه الإلهي للطبيعيات والدائرة الثيولوجية المغلقة.
فكما يجاهر ابن سينا، ليس العلم الإلهي إلا العلم الباحث عن أمر الوجود المطلق ولواحقه؛ لأن الله مبدأ الوجود ومبدأ المعلول على الإطلاق، وينتهي العلم الإلهي في التفصيل إلى حيث تبتدئ منه سائر العلوم، فيكون في هذا العلم (= الإلهي) مبادئ سائر العلوم الجزئية (= الطبيعيات).
30
فنجد الأقسام الأصلية للعلم الإلهي كالآتي: (1)
المعاني العامة لجميع الموجودات من الهوية والوحدة والكثرة والوفاق والخلاف والتضاد والقوة والفعل والعلة والمعلول. (2)
النظر في الأصول والمبادئ مثل علم الطبيعيين والرياضيين وعلم المنطق ومناقضة الآراء الفاسدة فيهما.
ويندهش الدارس هل هذان القسمان من الإلهيات أم من الطبيعيات؟ وهما على أية حال، يفضيان إلى القسمين الثالث والرابع اللذين يوضحان لماذا كان القسمان الأولان، ولماذا كانت الطبيعيات أصلا. القسمان التاليان هما: (3)
إثبات الحق الأول وتوحيده والدلالة على تفرده وربوبيته، وأنه واجب الوجود بذاته ... إلخ. (4)
إثبات الجواهر الأولى الروحانية التي هي أعز مبدعاته وأقرب مخلوقاته (الملائكة). ثم: (5)
تسخير الجواهر الجسمانية السماوية والأرضية لتلك الجواهر الروحانية، وارتباط الأرضيات بالسماوات وبيان أن الكل مبدع لا فطور (هكذا: فطور) فيه، وأن مجراه على مقتضى الخير، وأن الشر ليس محضا، بل لحكمة.
31
هكذا يحكم القسم الخامس والأخير إغلاق الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية تماما، أما الأقسام الفرعية للعلوم الإلهية فهي من قبيل نزول الوحي ومعجزاته المخالفة للطبيعية ومآل الأتقياء الأبرار وكراماتهم، ثم علم المعادن ... إلخ.
إن الإلهيات الفرعية هي الجزئيات التي ابتعدت خطوة عن الطبيعة، مثلما كانت الطبيعيات الفرعية هي الجزئيات التي ابتعدت خطوة عن الإلهيات، لكنها لن تنفصل عن الأقسام الأصلية ليدور الكل - الأصلي والفرعي جميعا - في الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية المغلقة حول المركز/الوحي.
وقبل أن نغادر ابن سينا، والفلسفة المشرقية إجمالا، نلفت الأنظار إلى أننا عينا المتجه الإلهي لفلسفته فقط بتقرير من قلب منطلقاته الأرسطية، ولا ينقصنا المزيد والمدد من منطلقاته أو مراسيه الإشراقية والغنوصية، هذا لنؤكد ما أشرنا إليه أكثر من مرة من أنه لا داعي لاتباع السنن الغربية باعا بباع وذراعا بذراع، لنفرط في إدانة الفلسفة الإشراقية، وكل ما يخرج من التراث الغربي القديم الذي يتربع أرسطو على قمته. (2) من المشرق للمغرب ... ولا فرق
يبقى من أساطين الفلسفة الإسلامية وأركانها العمد أبو الوليد بن رشد (526-595ه/1126-1198م)، لا سيما وأن به تكتمل المعالجة السابقة لفلسفة المشرق بتتبعها في المغرب، وسوف يتقدم قاضي قرطبة المبجل وطبيبها الفقيه على قرنائه من منظور الطبيعيات والعلم بها الذي يستوجب العقلانية، فهو يبز الجميع في الإيمان بالعقل والزود عن سلطانه، بحيث يعد رافع لواء العقلانية في فلسفة العصور الوسطى بأسرها؛ الإسلامية والمسيحية على السواء.
وثمة شبه اتفاق على أن سوناتا الكلام وكونشيرتو الحكمة قد ارتفعا على يديه إلى سيمفونية بوليفونية، أوليست تتناغم فيها «الحقيقتان» الإلهية والفلسفية؟! وقد وضع قواعد تأويل المجاز في القرآن والفهم المقاصدي للشريعة من أجل إنجاز هارمونية هذا التناغم على أساس أن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له، إنها «وحدة الحق»، الذي ظهر مرتين؛ الأولى في كل ما قاله أرسطو والثانية مع القرآن.