تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

التي تساهم في تشكيل الجنين حيث تفيض عليه قوى الأشخاص الفلكية في تدرج هابط على مدى شهور الحمل التسعة،

13

وسوف نرى أن التنجيم يسهم هو الآخر بخطاه العرجاء في توجيه الطبيعيات نحو المتجه الإلهي.

ولنبدأ من البداية، من نظرية العلم، لنجد العلوم عندهم ثلاثة أنواع: الرياضية والشرعية والفلسفية. العلوم الرياضية - في استعمال غريب للمصطلح - هي كل العلوم المطلوبة للدنيا؛ كعلوم اللغة والنحو والشعر والعروض والحساب والمعاملات، وأيضا التنجيم والسحر والسيمياء، والحيل والميكانيكا والحرف والصنائع والزراعة والنسل ... إلخ. أما العلوم الفلسفية فهي الرياضيات؛ أي الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، والمنطقيات والطبيعيات والإلهيات.

14

الطبيعيات هي علم المبادئ الجسمانية: الهيولي والصورة والزمان والمكان والسماء والعالم والكون والفساد وحوادث الجو وعلم المعادن وعالم النبات.

15

والحق أن تفسيرهم للعالم استند على المباحث الطبيعية والتجريبية أكثر مما استند على المعارف اللاهوتية. لقد اعترفوا بالوجود المادي للعالم الطبيعي وجودا منفصلا عن وجود الله وموضوعا للمعرفة، يختلف عن موضوع المعرفة الإلهية، وحرصوا على ذكر الصنائع مقترنة دائما بذكر العلوم الطبيعية، «الصنائع العملية بعد العلمية في الجواهر الجسمانية.»

16

والرسالة الثامنة من رسائلهم في أن «كل صناعة تحتاج إلى الفكر والتعقل»، وتدور بأسرها حول الصنائع العملية والغرض منها.

وبديهي أن الصنائع العملية منصبة على جواهر جسمانية. والجواهر الجسمانية منفعلة، كلها تدرك بطريق الحواس، بينما الجواهر الروحانية فاعلة كلها لا تعرف إلا بالعقل؛ لذا سلموا بالقيمة الأولية للمبادئ الحسية أو المعرفية التجريبية والاستقرائية، فإذا كانت «أوائل العقول» تناظر ما نسميه الآن «الحس المشترك»، فهي ما يعلمه كل العقلاء ولا يختلفون فيه، فإنها «تحصل في نفوس العقلاء باستقراء الأمور المحسوسة شيئا بعد شيء.»

17

و«اعلم يا أخي، أن نسبة المعلومات التي يدركها الإنسان بالحواس الخمس، بالإضافة إلى ما ينتج عنها في أوائل العقول، كثيرة كنسبة الحروف المعجمة، بالإضافة إلى ما يتركب عنها من الأسماء.»

18

هكذا سلموا بالقيمة الأولية للمبادئ الحسية، وإن كانت المبادئ العقلية أسمى منها، فعلى أساس الدستور الإسلامي الثلاثي ينتقل العلم عندهم من الحواس إلى المعرفة العقلية إلى البرهان.

وكانت نظرية الفيض هي سبيلهم لتوجيه كل هذا - بما يحمله من رصيد طبيعي ضخم - نحو المتجه الإلهي، فالباري «علة الموجودات ومبدعها ومبقيها، أول فيض فاض من الوجود ثم البقاء ثم التمام.»

19

وعلى الرغم من الطابع السردي السطحي لرسائلهم، كان لهم تعاملهم المبدع مع نظرية الفيض؛ إذ مزجوها بالفيثاغورية ليخرجوا بمضمون إسلامي قشيب، يدثرون به هذا الوجود ليدور وإياهم في الدائرة الثيولوجية، ولنقتبس منهم هذا النص الشامل:

قال اليوناني: الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد (هل قال اليوناني هذا؟!) الذي كان قبل الهيولي ذات الصورة والأبعاد، كالواحد قبل الأعداد والأزواج والأفراد، والتعالي عن الأنداد والأضداد، والحمد لله الذي تفضل وتكرم وأفاض من جوده العقل الفعال، ذا العلوم والأسرار، وهو نور الأنوار وعنصر الأرواح، والحمد لله الذي أنتج من نوره العقل والبحث عن جوهر النفس الكلية الفلكية ذات الحركات، وعين الحياة والبركات.

والحمد لله الذي أظهر من قوة النفس عنصر الأكوان ذات الهيولي والكيان، والحمد لله خالق الأجسام ذوات المقادير والأبعاد والأماكن والأزمان، والحمد لله مركب الأفلاك والكواكب والسيارات، الموكل بدورانها النفوس والأرواح ذات الصور والأشباح، ذوي النطق والفكر والحركات الدورية، وجعلها مصابيح الدجى، ومشرق الأنوار في الآفاق والأقطار، والحمد لله مركب الأركان ذوات الكيان، وجعلها مسكنا للنبات والحيوان والإنس والجان. وأخرج النبات، وجعل ذلك مادة للأبدان وغذاء للحيوان وهو المخرج من قعار البحار وصم الجبال، الجواهر المعدنية الكثيفة ذوات المنافع.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٣٢