تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن يتشكل متن هذا الكتاب من التفاعل والتحاور والتلاقح بين مقومات ثلاثة؛ هي أولا: فلسفة العلوم ومناهجها. وثانيا: نصوص تراثنا القديم الكلامي والفلسفي حيثما تتموضع الطبيعيات فيه. وثالثا: الفكر العربي المعاصر؛ إذ تتيح مشكلة الطبيعيات بالذات أن تتأتى محاولة الإسهام فيه منطلقة من كنانة فلسفة العلوم.

1

وأخيرا، لئن كانت غايتنا هي الطبيعيات في علم الكلام، فلا شك أن ثمة مبررات للتمسك بأن روح العصر، التي يتوجب استقطابها على كل تجديد وكل تفكير مستقبلي، إنما تتمركز في الطبيعيات؛ لأن العلم الطبيعي دون سواه - دون العلوم الرياضية التي عرف العقل البشري روعة تعملقها منذ ما قبل الميلاد، ودونا عن العلوم الإنسانية التي يشكل تخلفها النسبي مشكلة - هو الذي صنع عصر العلم، إنه العلم الطبيعي الحديث الذي أنجبه العصر الحديث ليصنع العالم الحديث.

وبنماء هذا العلم الطبيعي وتطوره، وتطور تقاناته وأجهزته، نمت وتطورت فروع العلم الأخرى، وتطور وتغير كل شيء؛ بدءا من المثل العقلية وانتهاء بواقع الحياة اليومية، مرورا بأشكال الصراع الطبقي؛ مما أدى إلى عصرنا هذا الذي جعل جدلية العلاقة مع الطبيعة، والسيطرة عليها وصيانتها بيئيا، والحفاظ على مقدراتها، هو الحلبة الكبرى لمعرفة الصراع والتفوق بين الحضارات. فهل نتوانى عن البحث في تأصيل وتطوير وضعية الطبيعيات في منظومتنا الثقافية وبنيتنا الحضارية؟!

وكان من الضروري أن تمثل فلسفة العلوم المدخل لهذا، باعتبارها التمثيل العيني الرسمي والشرعي، وربما الوحيد، للتفكير المعاصر في الطبيعة، إن رمنا قهرا لتحدياتنا وتقدما نريد من علم الكلام الجديد أن يكون إطارا أيديولوجيا له، فنسير بمجامع مقومات حضارتنا نحو شق أجواز المستقبل.

وبالله قصد السبيل.

الفصل الأول

| علم الكلام نحو المستقبل ... لماذا؟

(1) في ضرورة التجديد

إن البحث في بعث وتجديد معامل أصالتنا، أو بمصطلح أفضل خصوصيتنا الحضارية

1 - ولا مشاحة في الألفاظ كما يقولون - يكاد يكون فرض عين على المعنيين بالفكر الفلسفي فينا، ولئن بدأ هذا الهاجس يسيطر في مطالع يقظتنا ونهضتنا الحديثة منذ بدايات القرن الماضي، فإنه يزداد إلحاحا؛ بعد أن ماهت الفوارق بين التبعية والاستقلال الحضاري، وترسم بديلا موقف هامشي هو موقف التنازلات التي أصبحت تلامس حدود ثوابت الهوية، ووضع القومية موضع الاستفهام، والعروبة موضع التشكيك، والإسلام رديفا للرجعية، ولم تبق إلا خطوة واحدة ونتساءل: ما الوطن وما الوطنية؟!

في مثل هذا الموقف يصبح تحديث الأصالة، أو التجديد في معامل خصوصيتنا، بمثابة طوق النجاة لنا من الانسحاق الحضاري والضياع الثقافي في خضم ما نعانيه من انخفاض معدلات التنمية في الدول العربية الفقيرة والثرية، واحتلال الأراضي ونهب الثروات وعلو الصهيونية، هبوط الوعي وتراجع المشروع القومي، وشيوع التطرف وذيوع التعصب، وانحسار العقلانية وكلالة البحث العلمي.

وقبل كل هذا وبعده، العجز عن الخروج من التبعية للغرب، وانحناءة الرأس لنزعته الإمبريالية، وهو - بمعية ربيبته وحليفته الصهيونية - يتخذ من تقدمنا وسؤددنا موقفا منذ أن تحول البحر المتوسط إلى بحيرة إسلامية تجوبها الألوية العربية المرتفعة، فتختنق موانئ أوروبا ويذبل اقتصادها، يعتريها الوهن والذبول والاصفرار، وتدخل في ليل قروسطيتها الطويل.

نذكر في هذا الصدد المؤرخ البلجيكي هنري بيرن

H. Pirnne (1826-1935)، فقد اشتهر بتفسيراته الثاقبة للعصور الوسطى الأوروبية وعزو تدهورها إلى التقدم السريع للإسلام الذي أدى إلى الانقطاع عن التراث الإغريقي والروماني، وإلى نهاية وحدة حوض المتوسط التي لم تعد إلا مع الحروب الصليبية. وفي كتابه الشهير «محمد وشارلمان» تبدأ العصور - لا بسقوط الإمبراطورية الرومانية، بل - بالفتوحات العربية وسيطرتها على مرافئ البحر المتوسط الجنوبية وطرق الملاحة والطرق البرية إلى الشرقين الأوسط والأقصى، التي كانت سببا في ثراء اليونان قديما، ثم ثراء إيطاليا ووسط أوروبا حديثا.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٢