تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولئن ناقش نفر من أهل الاعتزال فكرة خلق القديم، فقد سلم المتكلمون جميعا - من أولهم لآخرهم - بأن: العالم حادث. بدأ الفلاسفة بالتسليم بهذه القضية، لكن بوصفها محل نظر ومحتاجة لبرهان «الكندي»، وتحت تأثير فلسفة الإغريق الذين عجزوا تماما عن تصور الخلق من العدم، وتأكيد أرسطو أن العالم قديم غير مخلوق، راح فلاسفة الإسلام يتلمسون سبل التعامل مع أطر قضية حدوث العالم. لجئوا إلى الفيض والصدور كبديل (الفارابي وابن سينا). ثم رفض ابن رشد هذا البديل وأسرف في تبيان أن العالم قديم ومخلوق، هذا في فلسفته الطبيعية الأنضج نسبيا من حيث إنها المركب الشامل في تلك الصيرورة الجدلية: محدثة/فيض/قديمة.

في كل هذه التوترات المتتالية ظلت الطبيعة قابعة دائما في قلب الأنطولوجيا المتجهة أولا وأخيرا نحو المتجه الإلهي ... نحو الثيولوجيا ... أي إنه لا فرق.

لكن هذا الحكم الخطير ينطوي على تقييم جريء للتراث القديم برمته، ولا يمكن إسناده إلى تصور مجمل أو إجابة بشكل عام، لا بد من تفصيلها استكمالا لصورة الطبيعيات في تراثنا القديم ... وهذا هو موضوع الفصل التالي.

الفصل الرابع

| الطبيعيات ... من الكلام إلى الحكمة ... ولا فرق

(1) من الحدوث إلى الفيض والقدم

عادة ما يؤرخ لبدء الفلسفة الإسلامية بالكندي (185-252ه/801-865م) الذي خرجت على يديه من إطار علم الكلام، إنه أول مفكر إسلامي يطرح مشكلة المعرفة طرحا أوسع من الطرح الكلامي لها، وأول من أجرى تصنيفا في الفلسفة الإسلامية، حين قسم المعرفة أو الحكمة التقسيم الأرسطي نفسه للعلوم النظرية؛ أي إلى حسية موضوعها العالم المحسوس أو الطبيعيات، ثم عقلية موضوعها العلم الرياضي أو الكليات، ثم إلهية موضوعها الربوبية أو الله أو الشريعة. ظل هذا التقسيم الثلاثي - بشكل أو بآخر - دستورا دائما للفلسفة الإسلامية القديمة، اعتمده جميعهم، وكان الكندي بهذا الدستور يفتح أمام العقل آفاق المعرفة الفلسفية بمعناها الشامل، وآفاق المعرفة الطبيعية النظرية والتجريبية، فقد كانت الفلسفة/الحكمة عنده «علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان.»

1

في نظرته للطبيعيات جرى مجرى المعتزلة في نفي تأثير الله المباشر في المادة، وهذا ما سلم به الفلاسفة أجمعون، وقالوا: «إن الله تعالى لا يباشر الأفعال بذاته، بل عن طريق العلل.»

2

آمن الكندي بالعلية، وعلم الفلاسفة أن يؤمنوا بها، ربما بحكم ممارسته التجريبية للطب، ولئن سلم تسليما بأن العالم حادث ومتناه واجتهد في إثبات تناهيه؛

3

لأن الله هو اللامتناهي الأوحد، فإن الكندي تحدث عن وجود سرمدي - فقط بالقوة - للمادة والحركة والزمان، لقد شق الطريق إلى معرفة العالم لذاته.

على أن الكندي وقع في إسار عقيدة التنجيم التي هيمنت بصورة مزعجة على حكمة الإسلاميين، وبما لا يقارن بتناثر رذاذها في علم الكلام،

4

وهذا بفعل المدرسة الحرانية المشرقية من ناحية، والتراث الإغريقي من الناحية الأخرى، فتصور الكندي الأجرام السماوية على أنها حية وفاعلة في الكون، إنها أقرب إلى الألوهية منها إلى الأرض؛ فحركتها في أكمل الأشكال؛ أي الدائرة، حركة دائرية لا مستقيمة كحركة الأرض، بل رأى فيها «قوة التمييز، فهي إذن ناطقة اضطرارا.»

5

ولا أوافق حسين مروة إطلاقا في اعتبار هذا مع الكندي - أو مع إخوان الصفا - بمثابة علية شاملة؛ فهي في الواقع تضخم للإحساس الديني المشخص إلى أقصى درجة، فيكتسح نطاقا من الطبيعة يتصور الخيال أنها تلامسه، ويشخصها هي الأخرى أو يشخص جزءها ذاك. وإذا رمنا تنظيرا فلسفيا أعمق، وجدنا عقيدة التنجيم بصفة عامة امتدادا للنظرة الحيوية للطبيعة، وأنها «عالم حي وعاقل وكل كياناتها - الإنسان والحيوان، النبات والكواكب - تشاركها في العقل والحياة.»

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٢٩