إذ كان واضحا دائما أن الحرية الإنسانية - أو الاختيار بمصطلحاتهم - هو المضمون المحوري لمفهوم العدل المعتزلي، لكن لم يتضح أن الحرية مضمون محوري للفلسفة بأسرها إلا منذ القرن السابع عشر وما تلاه؛ حين استقام نجيب العقل الأثير - أي نسق العلم الحديث - عملاقا واعدا محصنا بتلك الحتمية الإبستمولوجية الصارمة، يلقيها على الوجود بأسره أنطولوجيا لتنتفي حرية الإنسان، فكان التناقص بين العلم بحتميته والإنسان بحريته محورا دارت بين رحاه الفلسفة الأوروبية الحديثة، أصابها بما أسميته شيزوفرنيا أو انفصاما حادا بين عالمين أحدهما للحتمية العلمية والآخر للحرية الإنسانية.
فنجد العقل والمادة عند ديكارت، النومينا والفينومينا (كانط)، الإرادة والتمثل (شوبنهاور)، الأنا واللا أنا (فشته)، العقلي والواقعي (هيجل)، الفكر والوجود، الروح والطبيعة، العقل والعاطفة، النسبي والمطلق، الآلي والغائي ... بعضا من ثنائيات جمة دارت بين رحاها الفلسفة الحديثة، كلها معا تجمعها بوتقة واحدة؛ الثنائية الأم والأصل والأساس: الحتمية العلمية والحرية الإنسانية.
44
إنه خيار الفلسفة الأوروبية العسير: إما فلسفة العقل وإما فلسفة الحرية، والذي تشكلت تحت وطأته توتراتها وتطوراتها. وقد بلغت الذروة في التنويرية. وكرد فعل للتنويرية وإيمانها المفرط بالعقل والعلم، نشأت الرومانتيكية لترفع لواء الحرية، وتمخضت عن البرجسونية والوجودية، ورد الفعل على الوجودية بالبنيوية ... وليس يصعب إدراك أن الحتمية العلمية التي هي إبستمولوجية وأنطولوجية معا، كانت امتدادا ممسوخا وظلا باهتا لمفهومي العلم الإلهي الشامل (إبستمولوجيا)، والقدرة الإلهية الشاملة (أنطولوجيا)
45
في إثارتهما لمشكلة الحرية الإنسانية، لا سيما مع الكالفينية.
هذا عن العدل (= الحرية)، أما عن التوحيد (= العقل) فقد أدى مع المعتزلة إلى نفي الصفات، وبالتالي التنزيه المطلق الذي استند على مبادئ فلسفية مجردة، حتى تأتي بعض مناقشاتهم أحيانا نسقا مصمتا من المفاهيم الفلسفية، وكلها في إطار العقل والحرية، بلا شيزوفرنيا أو انفصام كشأن الفلسفة الأوروبية. فماذا ننتظر أكثر من هذا لنعدهم فلاسفة روادا وآباء شرعيين للفلسفة الإسلامية؟! بل هم أهلوها الأصلاء.
لذا يسهب ابن خلدون - على الرغم من أشعريته - في إيضاح أن المعتزلة «هم أصحاب الفضل في وضع العلاقة بين علم الكلام والفلسفة موضع الأمر الواقع التاريخي.»
46
ويذهب حسين مروة إلى أن الفكر الفلسفي عاش طور الحضانة تحت جناحيهم، ثم كان شقهم لمجرى الفلسفة الإسلامية تحت تأثير قمعهم واضطهادهم
47
الذي تكالبت عليه كل التيارات المحافظة؛ حتى غفروا للخليفة المتوكل أفعاله الشنعاء، وزعموا أن الله أيضا غفر له؛ فقط لأنه قضى على المحنة الدهماء؛ أي الاعتزال. وعمل الكثيرون على تشويه آرائهم، خصوصا أبو المظفر الأسفراييني (ت471ه/1078م) الذي أفرد صفحات كثيرة من مصنفاته لهذا الغرض، فيما أسماه التعريف بفضائح منهج أهل البدع؛ هذا فضلا عن محق نصوصهم حتى اندثر معظمها، مما حال دون التعرف على تراثهم كاملا. وتحت تأثير القمع والاضطهاد رسم المعتزلة دائرة الحكمة، أو شقوا مجرى الفلسفة؛ ليكون موازيا لمجرى عقلنة اللاهوت الذي شقه الأشاعرة وحدد مساره الغزالي. على أية حال كان المعتزلة دائما هم المؤسسون الحقيقيون والرواد المخلصون لعلم الكلام، وهم في النهاية ليسوا إلا جزءا من كل هو الكلام الذي أدى إلى الحكمة.
وخلاصة هذا أن الكلام والحكمة لا يفهم أحدهما بدون الآخر كأصل أو كامتداد، وبالتالي لا بد للمقاربة المتكاملة لأية قضية من قضايا التراث الإسلامي أن نبحث في أصولها الكلامية، أو في امتداداتها الفلسفية، ولكي يكتمل تناولنا لطبيعيات علم الكلام القديم لا بد من متابعتها في طبيعيات الفلاسفة، أو في الحكمة الطبيعة. فماذا عن هذا؟ ما الذي طرأ على الطبيعيات الكلامية حين واصلت المسير وانتقلت من دائرة الكلام إلى دائرة الحكمة؟ في الإجابة على هذا السؤل بشكل عام نجد الطبيعة ومباحثها أكثر وضوحا وتميزا عند الفلاسفة منها عند المتكلمين، فقد سلموا جميعا بأنها قسم من أقسام الحكمة الثلاثة: العقليات والطبيعيات والإلهيات، ثم تفرعت إلى فروعها عند كل منهم، أفردوا لها مصنفات أو رسائل أو فصولا، إنها أصبحت عنوانا للبحث وموضوعا محوريا للحديث.