تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

وكما أشار كولنجوود (روبن جورج)، هذه النظرة سيطرت على مجمل الفكر القديم شرقا وغربا، وظلت سائدة حتى بدايات حركة العلم الحديث وتصورها الميكانيكي الآلي للطبيعة الذي ساد أيما سيادة حتى انهار مع ثورة الكمومية والنسبية والعلوم الذرية في القرن العشرين.

ليس فقط التصور الحيوي للطبيعة والنجوم، بل التصورات الإغريقية بصفة عامة لم يستغن عنها الكندي الذي عمل بالمفاهيم الأرسطية، لكن بعد أن يملأها بالمضمون الإسلامي. فالقوالب الأرسطية لم تمنع الكندي من التسليم بالمسلمة الإسلامية الصميمة؛ أي خلق العالم من العدم، أو أنه على أقصى الفروض يسبح في البرزخ المعتزلي بين فاعلة العلية وبين الخلق من العدم، وعبر منه إلى أول صياغة فلسفية لتصور إسلامي للكون الطبيعي، تتجاوز النص والكلام، وتتمثل في فئة من المفاهيم والحدود والمقولات والرسوم، انتظمت في هيكل متكامل، هو للبرهنة على الموضوعة الأساسية: خلق الله العالم من العدم، أو بتعبير الكندي: «جرم العالم محدث اضطرارا من ليس.»

7

ومن ثم، فإذا كانت الفلسفة عنده أشرف العلوم، فإن أعلاها شرفا هو الفلسفة الأولى؛ لأنها «علم الحق الأول الذي هو علة كل حق.»

8

هكذا لم يخرج الكندي عن الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية، وتصوره للطبيعة لم ينفصل البتة عن الفعل الإلهي، حتى وإن أقر بخضوعها لقانون العلية العتيد، فليست العلل إلا وسائط، و«الطبيعة» هي الشيء الذي يجعل الله منه علة أولية لكل متحرك أو ساكن، والله - الفاعل غير المنفعل البتة كمحرك أرسطو - هو العلة الأولى لجميع المعقولات، والتي هي معلولات لفعله، إما بتوسط الطبيعة أو سواها، وإما بغير توسط؛ فظلت الطبيعة موجهة نحو المتجه الإلهي، ولم يتحدث عنها الكندي إلا من أجل إثبات الله في النهاية. •••

وإذا غادرنا البدايات الكندية، وجدنا التراث الإغريقي وقد انتظم رافدا دافقا في نهر الحضارة الإسلامية، وأصبح ذا فاعلية أقوى، والفلسفة وقد اكتملت أطرها مع أبي نصر الفارابي (259-339ه/872-980م) وذات بناء أكمل، فعد لهذا المعلم الثاني، على الرغم من أنه «مقل في التأليف وقصير النفس فيه.»

9

وكان أكثر اهتماما بالإنسان والأخلاق والسياسة والموسيقى منه بالطبيعة.

لكن كان من المنطقي أن تتكامل الأطر مع الفارابي؛ لأنه آمن إيمانا جارفا بوحدة الحقيقة، إنه المركز الإسلامي الصميم: عقيدة التوحيد، يتكشف في شكل هم الفارابي بوحدة الحقيقة.

الوحي ذاته ليس غيبا مستورا، بل ناشئا عن المخيلة القوية للأنبياء القادرة على هذا الإدراك المتفرد للحقيقة. شغف الفارابي بوحدة الحقيقة وضعه على المفترق القلق بين دهرية الإغريق وبين الألوهية في الوحي الإسلامي، ووجد طوق النجاة أو المركب الجدلي من هاتين المتناقضتين في: نظرية الفيض الأفلوطينية، وهي تقوم على الأقانيم الثلاثة: المطلق - العقل - النفس الكلية، وفيض أو صدور الأقنوم عن سابقه.

النبع النوراني الأصيل الثابت للوجود هو المطلق، أو الأول أو الواحد أو الخير، وبالفيض يصدر عنه العقل، ثم تفيض عنه النفس الكلية

10

ها هنا كما رأى الإغريق: العالم لم يخلق من العدم، لكن الله علة وجوده كما ينص الوحي الإسلامي.

المطلق/الواحد عند أفلوطين هو الله/العلة الأولى عند الفارابي الذي مارس دوره في استغلاله للقوالب الأرسطية، فوضع للطبيعة تحديدا شبه أرسطي ذاهبا أنها مصدر الحركة والسكون دون قوة خارجية أو مريدة، ولكن في تصنيفه أو إحصائه للعلوم يجعل العلم الطبيعي مع العلم الإلهي علما واحدا، فلا تعود الطبيعيات إلهيات مقلوبة فحسب، بل إنها هي ذاتها إلهيات.

على أن دور الفارابي الفعال في مسار الطبيعيات الإسلامية يتلخص في أنه أول من ناقش «حدوث العالم» ورفضه، فوضع - بديلا - نظرية الفيض في سياق التطور التاريخي للفلسفة الإسلامية، بعد استعارة هذه النظرية كشكل وملئها بالمضمون الإسلامي. •••

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٣٠